وأما ما تمسك به من تماثل المكانين، فذهاب عن التحصيص. فإن الكون لا يوجب للجوهر مماسة مكان، بل يوجبه الاختصاص بحيز. حكم الاختصاص بحيز يخالف حكم الاختصاص بحيز آخر من غير تقدير مكانين. فوضح أن اعتبار تماثل المكانين لا معنى له.
فصل
مشتمل على اختلافان في أحكام الحركات
راجعة إلى الألقاب والعبارات
فمنها أن الأستاذ قال: إذا استقر جسم بسيط في مكان، ومرّ على ذلك الجسم جسم فلا شك في تحرك الجسم الأعلى، وقد قال الأستاذ بتحرك الأسفل، وصار إلى أن الجوهر إذا تبدلت عليه المحاذيات، فهو متحرك. ومعلوم أن المحاذيات قد تبدلت على الجسم المتسفل تبدلها على الأعلى. وهذا مأثور عن الأستاذ؛ مشهور عنه، وقد أنكره أقرانه، وأطنبوا في استبعاد ذلك.
وليس فيما قاله استبعاد في المعنى. فإنه فسرما أطلقه من الحركة بتبدل المحاذيات، وهو معلوم مسلم، فيؤول الإنكار إلى التسمية المحضة، وهي سهلة المدرك. وإن لم يبعد من كافة المحققين أن يسموا الحركة سكوناً والسكون حركة، لم يبعد قاله الأستاذ.
وقد ألزم الأستاذ بعض الحذاق سؤالا فقال: الجسم البسيط الواقف إذا حاذاه محاذيان من وجهين، أحد هما مرّ في جهة العلويمنة، والثاني مرّ في جهة السفل يسرة، فقد تبدلت عليه المحاذيات؛ فيلزم أن يتحرك يمنه ويسرة معاً. وقال الأستاذ مجيباً: الحركة حركتان، حركة يزول بها المتحرك، وحركة لا يزول بها بل يزول عنه غيره. فأما الحركة اليت هي زوال للمتحرك، فيستحيل اجتماع حركتين معاً في المحل الواحد. وأما الحركة التي ترجع إلى زوال الشيء عن