تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القول في ذكر الدلالة على أن الله قادر عالم حيي

فإن قال قائل: قد أثبتم بما قدمتم الدليل على وجود الصانع وقدمه، وأوضحتم فيما تقدم من الأبواب تقدسه وتنزهه عن مشابهة الخلق، فما دليلكم الآن على أن صانع العالم حىّ عالم قادر؟

قلنا: قد اختلف مسالك أهل الحق في ذلك، وكلها مفضية إلى الحق. ويجمع طرق الأصحاب مذهبان، ثم ينقسم أحدهما. فأحد المذهبين: سلوك طريق الاستدلال. والمذهب الثاني: ادعاء العلم على اضطرار، وهو الذي ارتضاه القاضي، ونحن الآن نوضح المذهبين ونبلغهما أقصاهما.

فإما من سلك طريق الاستلال، فالأكثرون منهم قالوا: الدليل على كون الصانع قادراً، وجود المقدورات عن أول واتصافها بالجواز. وسبيل تحرير الدلالة، أن يقال: نعلم قطعاً أن الإيجاد والاختراع، لا يصح من كل موجود، وهذا ما لا سبيل إلى المناكرة فيه. فإذا علمنا اختصاص تصور الاختراع ببعض الموجودات، وعلمنا امتناعه من بعضها، سبرنا بعد ذلك الأوصاف، التي يتميز بها من يصح منه الاختراع عن من لا يصح منه. فنعلم بالسبر أن مجرد الحياة، لا يصحح الفعل من الحي. فإنا نجد امتناع الفعل مجامعاً للحياة كثيراً، فلزم ابتغاء صفة سوى الحياة. ولا يجوز أن يقال إنها العلم المجرد، فإنا نصادف الامتناع يتحقق مع الحياة والعالم. وكذلك لو قدر مقدر الإرادة بكل تقديره، لتصور الامتناع معها. فلا نزال نسبر الصفات، صفة، حتى بفضي بنا السبر إلى القادر المتمكن من الفعل، وهو الذي لا يجامع حالة الامتناع ما يقدر عليه، وهكذا سبيل الاستدلال على العلم. غير أن الحدوث هو الدال على كون المحدث قادراً، ونفس الحدوث لا يدل على كونه عالماً، وإنما الدال على ذلك إحكام الفعل، وإتقاته وانتظامه. وسنعقد في معنى الإحكام الإنقان وتفسير هما فصلا في حلل الصفات إن شاء الله. ثم سبيل تحرير الدلالة من الإحكام والإتقان

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٢٦