باب
في أحكام العلل وشرائطها ووجوه الاختلاف فيها
أول ما يحتاج إلى ذكره من أوصاف العلل أن نوضح أن من شرط العلة أن نكون موجودة، وهذا مما اتفقوا عيه، لكن لا تستقيم الدلالة عليها إلا على أصول أهل الحق.
فإذا قيل لنا: أقيموا الدلالة على استحالة كون العلة معدومة، سلكنا فيذلك طريقين: أحدهما: أن المعدوم هو المنفي عندنا، والإيجاب صفة إثبات. فما كان نفيا محضاً، كيف يتصور ربط إيجاب هو إثبات له، ولا يربط الإثبات إلا الإثبات. ولا فرق بين أن يقول القائل: لا موجب، وبين أن يقول: لا شيء يوجبه. واستمر على ما رمناه، من حيث كان المعدوم منتفياً على أصولنا من كل وجه.
فإن قالوا: بم تنكرون على من يزعم أن وصفكم إياه بالمعدوم إثبات منكم؟ قلنا: هذا تعد لحد الحقائق، فإن المعدوم وضع لتحقيق النفي، والانتفاء يدرك تارة من قضية لفظ كالمنتفي والمعدوم، والإثبات يرجع إلى الصيغة وليست الصيغة معدومة، وإنما المفهوم منها هو المعدوم، وال نستنكر كون الإنتفاء معلوماً. فهذه طريقة.
والطريقة الأخرى: أنه لو جاز تقدير علة معدومة، للزمه منه محال. فإنه لو جاز ان يقال: العالم عالم بعلم معدوم، جاز أن يقال: إنه جاهل بجهل معدوم، إذ لا مزية لأحدهما. فيلزم من ذلك أن يكون جاهلا عالماً. وما لا يكون علماً يستحيل أن يوجب كون العالم عالماً، إذ لو جاز أن يوجب كون العالم عالما ما لا يتصف بكونه علما، جاز أن توجب القدرة كون محلها عالما. ومن الدليل.