في التماثل، وفيه وجه آخر، وهو أن التضاد ليس يرجع إلى ثبوت حكم وتقدر حال، وإنما يعبر به عن استحالة اجتماع. وذلك يرجع إلى النفي المحض، وقد قدمنا في منع تعليل النفي ما في مقنع.
ومما يلتحق بالقسم الأول تعليل الغيرين. والإحاطة بما سبق ترشد إليه. ويلتحق به أيضاً امتناع تعليل كون العلة علة. فإن قائلا لو قال: لم كان العلم علة؟ قيل: كونه موجباً من صفات جنسه، وصفات الأجناس لا تعلل.
ويتضح ذلك بأنه لو كون العلة علة، لتسلسل القول. فإنه لو قدر لذلك علة، للزم مثل ذلك في الرتبة الثانية والثالثة. وذكر القاضي، فيما لا يعلل، كون المأمور مأموراً، وكون المنهي منهياً، وهذا نحو امتناع تعليل كون المقدور مقدوراً، وكون المعلوم معلوماً. وإن أردتم حصر القول فيما لا يعلل، فسبيل إيجاد للفظ في ذلك أن نقول: ما يمتنع تعليله: أبواب كل ما يشترك فيه الوجود والعلوم؛ كالمعلوم والمقدور، ومنه العدم والانتفاء، ومنه صفات الأجناس ومنه كل صفة لا تنفرد ذات واحدة بالاتصاف بها كالتماثل والاختلاف، والتغاير والتضاد. فهذه الألفاظ تحصر ما يمتنع فيه التعليل.
فصل
[في الأحكام التي تعلل]
وأما القسم الثاني من الباب، فهو ما يعلل. وحصر القول في الأحكام المعللة أن نقول: كل حكم ثبت لذات قائمة بنفسها، عن معنى قام بها، فهو معلل. ويندرج تحت ذلك: كون العالم عالما، وكون القادر قادراً، إلى غير ذلك. وإن حكمنا بأن جملة الأعراض توجب أحوالا لمحالها، فيطرد ذلك في جملتها، وهذا هو الصحيح.