تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

باب في الاعتمادات

وحقائقها وذكر وجوه الاختلاف فيها

اعلموا أن أول ما يقتضي الترتيب تقديره ذكر الثقل والخفق ومعناهما، واختلاف أهل الحقائق فيهما.

فإن قال قائل: فما قولكم في ثقل الأجسام، أهو من الأعراض أم هو راجع إلى أنفس الجواهر؟

قلنا: هذا مما اختلف فيه الحذاق. فصار صائرون إلى أن ثقل الجوهر نفسه وهو آيل إلى وجوده دون معنى زائد عليه. فكل جوهر عند هؤلاء ثقيل لنفسه، ولا يتصور تفاضل جوهرين في الثقل، كما لا يتحقق تفاضلهما في سائر الصفات النفسية. وإذا كانت الزبرة من الحديد أثقل مما في مثل حجمها من الخشب، فإنما ذلك لكثرة أجزاء الحديد وانضمامها وتراصا وقلة انفراجها. فهذه طريقة.

وصار صائرون من أئمتنا إلى أن الثقل معنى، زائداً على وجود الجوهر. ثم من سلك هذه الطريقة افترقوا: فالذي صار إليه القاضي ومعظم المحققين أن الثقل عبارة عن: اعتماد الشيء في جهة سفل، على ما سنوضح بعد ذكر الاعتمادات وتفاصيلها. وصار صائرون إلى أن الثقل هو الاعتماد. فلا يجوز جوهر أثقل من جوهر مع التساوي في الثقل هو الاعتماد إلى جهة الفسل، ولا يتقرر عندنا قيام اعتمادين متماثلين بالجوهر الجوهر الواحد، فيترتب عليه تفاضل في الثقل المفسر بالاعتماد.

فإن قال قائل: فهل يفارق هذا المذهب في ما ذكرتموه المذهب الأول، وهو صرف الثقل إلى وجود الجوهر؟

قلنا: يفترق المذهبان من وجه، وذلك أن القائل الأول يمنع خفة الجوهر ويقطع بثقل كل جوهر. ومن صرف الثقل إلى معنى، يقول: قد يتصف جوهر بالثقل بأن يكون فيه اعتماد سفلى، ويتصف جوهر بالخفة بأن يكون فيه اعتماد

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٣٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٣٩٤