فقد أصاب في المعنى وزل في اللفظ، حيث سمى وجود القديم علة موجبة. فوضح بما ذكرناه استحالة كون وجود القديم تعالى علة في شيء.
وكذلك يبطل أن يكون القائم بالنفس الحادث، علة في الأحكام المعلولة، نحو كون العالم عالما وكون القادر قادرا. والدليل على ذلك ما قدمنا ذكره من استحالة قيام جوهر بجوهر. ومن حكم العلة وجوب قيامها بمن له الحكم منها. وكذلك لا اختصاص لبعض الجواهر بأن تكون عللا، فإنها جنس واحد، ولا اختصاص لها ببعض الأحكام دون بعض، وسبيل طرد الدلالة كما سبق.
فصل
[لماذا كانت العلة أولى بكونها علة من المعلول]
فإن قال قائل: قد أوضحتم بطلان كون القائم بالنفس علة، وزعمتم أن العلة هو المعنى القائم بمن له الحكم منه، كالعلم والقدرة والإرادة ونحوها، وزعمتم أن العلم علة لكون محله عالما، فبم تنكرون على من يقلب عليكم مرامكم، يجعل العلة معلولا، والمعلول علة، فيقول: كون العالم عالما هو العلة، والعلم معلول على الضد من قولكم. وربما أوضح السائل سؤاله وقال: الاقتراق وجوبا متحقق من الطرفين جميعاً، فلم كان أحدهما أولى بكونه علة من الثاني؟
الجواب عن ذلك أن نقول: ذات العلم حادثة بالقدرة، والقدرة مؤثرة في إحداثها، ومن ضرورة الحادث كونه شيئاً ثابتا موجوداً، ويستحيل مع ذلك أن يكون موجباً عن علة، وقد ثبت بالقدرة حدوثه. والحدوث ليس بحال زائد على الذات، فكيف يتعلق الشيء بالقدرة وإيجاب العلة!!
فاستحال من ذلك كون ذلك العلم معلولا. وأما الحال فلا توصف بكونها شيئا، فليزم وصفها بالحدوث.
وهذه الطريقة تقري، إذا لم نجعل المعلول بالقدرة. وإنما جعلنا العلة بالقدرة