النفس بالمني. فيقول لهم: لم زعمتم أن من سبيل قائمين بأنفسهما أن يكونا مجتمعين أو مفترقين؟ فلا يرجعون عند المطالبة إلى محصول.
وإن قالوا: نستشهد في ذلك بالجوهر، طولبوا بوجه في الجمع والتحرير. فإن راموا الجمع وتشبثوا بالقيام بالنفس، وزعموا أن الذي منع ثبوت الجوهرين لا مجتمعين ولا مفترقين، قيامهما بأنفسهما، وهذا محض الدعوى.
فنقول لهم: لم زعمتم أن المقضي لما عنيتموه ما ذكرتموه من القيام بالنفس؟ فلا يجدون إلى ابداء ذلك سبيلا.
واقصى ما يتمسكون به أن يقولوا: سبرنا صفات الجواهر وأحوالها، فلم نجد صفة يعول عليها سوى ما ذكرناه، وهذا ربط جهل بجهل. وذلك أنا نقول: عدم وجودكم؛ ذهول منكم عن الحق، فلم دلّ عدم توصلكم على انتفاء ما لم تدركوه؟ فهذا لو حاققناهم.
وإن خضنا معهم خوض مسامحين، قلنا لهم: بم تنكرون على من يزعم أن المقتضي لما عنيتموه وما ذكرتموه نفياً وإثباتاً، تحيز الجوهرين لا قيامها بأنفسهما؟ فالقديم تعالى قائم بنفسه على معنى ينزهه عن الاحتياج إلى محل يقول به، وهو مع اتصافه بالقيام بالنفس، متقدس عن التحيز. وإنما يلزم القرب والبعد بين شاغلين لحيزين، فبطل ما قالوه من كل وجه.
شبهة أخرى
ومما تمسكوا به أن قالوا: القيام بالنفس هو التحيز، ولا معنى له سواه. وإنما لا يقوم العرض بنفسه من حيث لا يتحيز، والموجودات منقسمة إذا إلى ما يتحيز وإلى ما لا يتحيز. فما لا يتحيز؛ فهو المعنى الذي يوجد بحيث وجوده متحيز، وهو معنى قيامه به، وما يتحيز هو القائم بنفسه. فلو كان القديم غير متحيز، كان في حكم الماني التي لا تقوم بأنفسها. وهذا الذي ذكروه محض الدعوى.