تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل

[في أن العلة معنى]

ومما ينبغي أن يحيطوا به علماً أن يعلموا أن العلل يستحيل أن تكون ذواتاً قائمة بأنفسهما، بل يجب القطع بطونها معاني. والدليل على ذلك أن القائم بالنفس لو كان علة لم يخل: إما أن يكون قديماً أو حادثاً. ويستحيل أن يكون القديم سبحانه وتعالى علة موجبة لشيء من الأحكام المعلولة. والدليل على استحالة ذلك أوجه: منها: أن ما أوضحناه من اشتراط قيام العلة بمن له الحكم منها-وهذا مستحيل في صفات القديم تعالى-فإنه يتقدس عن القيام بالحوادث، فاستحال كونه علة في أحكامها.

ومما يوضح ذلك أن وجود القديم لا اختصاص له ببعض الحوادث دون بعض. فكان يلزم-لو قدر موجبا-أن يوجب لجملة الذوات، حتى إذا علمت ذات، علمت الذوات كلها، وكذلك القول في جملة الأحكام. و كما لا اختصاص لوجود القديم ببعض الأجسام، فكلك لا اختصاص له ببعض الأحكام. ويلزم من تقدير وجود علة، أن تثبت جملة الأحكام، إذ ليس بعضها أولى من بعض. وهذا يفضي إلى المحال، فإن الأحكام فيها المتناقضة لحكم الجهل، والعلم، القدرة، والعجز.

وبقريب من هذه الطريقة نود على من قال: إن وجود القديم، تعالى عن قول الزائغين، علة في وجود العالم. وذلك أنا نقول: لو كان كذلك، للزم القول بقدم العالم، إذ المعلول ال يستأخر عن العلة الموجبة، وقد قدمنا أوضح الأدلة على حدث العالم.

وإن رام السائل بما قال أن الباري تعالى فاعل العلم ومنشئه، ولو لاه لما وجد،

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٨٣