تقتضي له كونه مريدا؟ ويعود الآن بنا الكلام إلى ما قررناه من وجوه الطلبات في القدرة وتعلقها بالقادر، وإن لم تقم به، وما ذكرناه ألزم لهم ها هنا، وذلك أنهم حكموا باختصاص الإرادة في اقتضاء الحكم باقديم، وإن لم تختص به قياما. فإذا لم يقتض عدم القيام منع الاختصاص بالوجود في الموصوف بالارادة مع عدم القيام، لا يقتضي منزلة في الاختصاص، وهذا ما لاخفاء به. فقد وضح اضطراب أحوالهم وضيق مسالكهم، ووهن حيلهم في محاولة ما طولبوا به.
ومما جرى الرسم باتلق به في اثبات الوجود، أن البناء كما يدل على الباني، كذلك يدل على وجود الباني. فإنه كما يحيل بناء من غير باني، فكلك يحيل بناء من غير وجود الباني حالة البناء. وهذا سديد، ولكنه باطل على أصول المعتزلة. فإنهم جوزوا وقوع الأفعال المتولدة بعد موت من صدر منه السبب. فإن لم بعد وقوع فعل من ميت عندهم، لم يستبعد ذلك في معدوم. وإنما لم يصور عليهم عدم من صدر عنه السبب، لأن لو عدم، عدمت الجواهر كلها عندهم. ثم يمتنع وجود الأعراض دون الجواهر. فهذه جمل كافية في إثبات الوجود، والرد على المعتزلة وإيضاح عجزهم عما يستتب لأهل الحق.
باب
القول في أن الصانع لا أول له
قد ذكرنا في صدر الكتاب، القديم ومعناه، والاختلاف فيه، وذكرنا اختيار شيخنا رضي الله عنه وارتضيناه، ثم قدمنا في تصحيحه ما فيه بلاغ. وليس غرضنا الآن الكلام في معنى القدم، إنما مقصدنا أن نثبت أن القديم تعالى لا أول لوجوده، أنه لم يزل موجوداً متعاليا عن مفتتح، ومبتدأ، وأولية.
فإن قال قائل: ما الدليل على ذلك. قلنا: الدليل على ذلك يستند إلى أصول سبق تقريرها. منها: افتقار الحدث إلى الحدث، ومنها استحالة ثبوت حادث لا أول