فإن راموا في ذلك فصلا وقالوا: إنما يعلل الحكم الجائز دون الواجب، والتعليل جاز في الحكم الجائز طرداً وعكساً. فسنسقصي الكلام في ذلك عند ذكرنا تعليل الواجب والجائز إن شاء الله.
على أنا نقول: إنما المعلل في الشاهد كون العالم عالماً، إذ يستحيل أن يقال: المعلل بالعلم، جواز كون العالم عالماً. فإذا وضح أن المعلل هو الحكم نفسه، والعلم علة في الحكم دون صفة الجواز فيه، فإذا تقرر حكم من غير علة، فهو الانتقاض الذي لا محيص عنه، والتصريح بعدم اشتراط الانعكاس. فإن قالوا: نحن نعلل الحكم شاهداً بدلالة الجواز، وهذا الدلالة غير متحققة في صفات الباري سبحانه وتعالى.
قلنا: قد أعطيتمونا اشتراط انعكاس العلة، فقولوا: لما قامت دلالة تمنع من تعليل قلبيل هذا الحكم في بعض القضايا، فقد بان بطلان تعليل أصل هذا الحكم جملة وتفصيلا. وسنقد فصلا نوضح فيه عدم اشتراط ثبوت الدلالة غائباً بعد ما ثبت شاهداً، ونكشف فيه وجه الحق، ونبطل تمويه المعتزلة في روم الفرق بين الشاهد والقائب.
فصل
[في أن اطراد العلة وانعطاسها لا يد على صحتها]
فإن قال قائل: إذا قارن الشيء ثبوت الحكم وجوداً وانتفاء على صورة الطرد والعكس، فهل يستدل بمجرد الاطراد والإنعكاس، على انتصاب ما يقارن الحكم علة موجبة لها، أم لا يدل مجرد الطرد والعكس؟
قلنا: اتفق المحققون على أن الإطراد والإنعكاس لا يكفي في الحكم بصحة العلة، ولكن الإطراد والإنعكاس شرط في العلة وليسا أمارة صحتها، إذ قد يقارن الحكم لزوماً ما ليس بعلة فيه. والذي يحقق ذلك أن علم الباري سبحانه