ومما يتعين الانفصام به في هذه المسألة افراد طائفة عن أحزاب أهل الحق مع انتمائهم إليهم، وذلك أن بعض من يعزى إلى علم التوحيد، ويتعلى بزعمه عن رذيلة التقليد، صار إلى أن القديم مستو على عرضه، ويأبي من تأويل الاستواء وحمله على بعض الحامل المشهورة في الاستواء.
وسبيل الكلام مع هؤلاء أن نقول: هل تعتقدون اختصاص القديم بجهة من الجهات، أم تأبون ذلك؟
فإن صرحوا بإثبات الجهة، قاطعناهم وألحقناهم الجهة من المشّبهة، وإن لم يثبتوها ولم ينفوها، كانوا متشككين حيث لا يسوغ الشك، إذ اثبات الجهة ونفيها أمران تحتوى عليهما قسمة بديهية، إذ لا رتبة بين الإثبات والنفي. والمتشكك عندنا في نفي الجهة واثباتها بمثابة المصمم على اثبات الجهة، فإن كل معتقد يجب العلم به، فالتشكك فيه بمثابة الجهل به.
وإن صرح هؤلاء بنفي الجهات فقد وافقونا في المذهب، وقالوا بأعظم ركني التأويل. فإن الذي يحاذره منكرو التأويل؛ إزالة الظواهر. والذي نفي الجهة فقد أزال ظاهر الاستواء، ولكنه لم يعين للفظ الاستواء بعد تعريته عن ظاهره محملا. والمتأولون عيّنوا له محملا. وإذا آل الأمر إلى ذلك، فهو سهل المرام.
فإن قال قائل: فما دليلكم على انتفاء الجهات عن الذات، وتقدسها عن الاختصاص ببعضها؟
قلنا: مخالفونا في المسألة أحزاب مختلفون. فمنهم الغلاة من الذين لا يتحاشون من كل ما ألزموا، فإذا ألزموا تقدر الذات التزموه وباحوا به، وإذا أزموا تبدل الجهات لم يأبوه وأوجبوا القول به، وعليه حملوا النزول المروى في بعض الأحاديث، ولا ينكرون مما سته للجواهر ومما ستها له، ويفصحون باحطة جواهر العالم به، ويعتقدون أنه على صورة آدم، وأنه يتشكل للناظرين بأي شكل أراد. وألزم بعضهم أن لا يأمن أن يكون بعض من يتلقاه في الطريق والأسواق إلهه،