هؤلاء ويفضي إلى مسائل منها: التحيز، والاختصاص ببعض الجهات، ومنها قبول الحوادث والأعراش. ونحن الآن نوضح مقصدنا في نفي الجهات، ثم ننعطف على تبيين انتفاء خصائص الجواهر عن القديم من سائر الوجوه.
واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، ويتنزه عن الاختصاص بجهة.
وذهبت المشبهة إلى أنه-تعالى عن قولهم-مختص بجهة فوق. ثم افترقت آراؤهم بعد الاتفاق منهم على اثبات الجهة. فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مما س للصفحة العليا من العرض، وهو مماسّه. وجوزوا عليه التحول والانتقال، وتبدل الجهات، والحركة والسكنات. وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيا تقدم.
وصار أوائل الكرامية إلى ذلك، ثم تبرأ منهم المتأخرون منهم، ومنعوا مما ستة الرب شيئا من الأجسام. وافترقوا في تفصيل قولهم. فذهب هيصم وأتباعه إلى أن الرب تعالى مختص بجهة فوق، وإذا روّى وأدرك، أدرك منها، وبين ذاته وبين أعلى جزء من العالم من الخلاء مالو قدّر مشغولا بالجواهر لاتصلت بذاته. وليس الخلاء الذي ذكرناه موجوداً، ولكن سميناه لضيق العبارة وللتوصل إلى الأفهام.
وصار طائفة من الكرامية يعرفون بالتونية إلى أن القديم في جهة فوق، ولو قدر فوق الطبقة العليا من تراكم الجواهر ما يزيد على أضعاف الدنيا، لما بلغت ذات القديم سبحانه.