ثم قال أهل التحصيل: الجواهر إذا انذابت فهي سائلة غير رطبة، وهو اختيار الأستاذ. والزئبق سائل لا رطوبة فيه. وكما لا ينكر متجمد رطب، فكذلك لا ينكر مائع سائل يابس. ولا معنى للسيلان إلا أن تجري الجواهر على تنضد من غير تقطع. وليس هذا بأعظم مما ادعاه أبو هاشم من رطوبة الحجر المحسوس يبوسته. فلسنا نفول إذا أن الجواهر إذا انذابت فقد ترطبت، بل هي على انمياعها مستصحبة يبسها وجفافها، ومتجمد الذهب كذابه أنه لا رطوبة في واحد منهما.
والذي يحقق ما قلناه أن الرطوبة تنافي النار في مستقر العادة وتنافرها. وإذا أبقى حجر خفيف في النار، فقد تحمى عليه ساعة متطاولة ولا ينذاب ولا ينكسر مع القطع بوصول أثر النار إلى ما ظهر من الحجر ما بطن، فلو كانت فيه رطوبة لترعت النار إلى اختطافها. ثم أقصى ما في ذلك أ، نطرد له عادة. فيم ينكر على من يزعم أن الله تعالى يحدق فيها رطوبة على مجرى العادة ما يحدث في الآكل شبعاً وفي الشارب رياً؟
وليس من قضية أصلنا التمسك بمحض العادات والعقليات وهذا ما لا مخلص له منه، ولكنه لا يستقيم على أصل الجبائي. فإن المعتزلة التزموا في كثير من الأصول اتمسك بمحض العادات. وإلى ذلك مرجعهم في اشتراط اتصال الأشعة في الرؤية بالحاسة. وإلى قريب منه رجعوا في اشتراط بنية مخصوصة للحي بحياة على ما سنبسط القول في ذلك.
ومما انتشاً عن اختلافهم في بعض ما قدمناه، اختلاف الجبائي وابنه في السبب الذي لأجله يطفو الخشب على وجه الماء وال يرسب.
فذهب الجبائي إلى أن السبب في ذلك انخراق الهواء وتخلله في أجزاء الخشب والحديد ونحوه مما يرسب ثقل تخلخله ويقل ترنح الهواء فيه.