بأن قال: الحجر الثقيل الذي حميت عليه الشمس أحقاباً، متسفل هاو ولا رطوبة فيه. وحقق ذلك بأن قال: الصفيحة العليا منه يابسة مدرك جفافها ويبسها بالحس، ومراغم ذلك ينتسب إلى جحد الضرورة. ولو ساغ جحد درك اليبس فيما صورناه، ساغ جحد الضرورة. ولو ساغ جحد درك اليبس فيما صورناه. ساغ جحد إدراك الرطوبة في كل رطب. ثم إذا وضح ذلك في الصفيحة العليا، فكذلك القول في الأجزاء الباطنة المكتمنة بالأجزاء الظاهرة. فإن الحجر لو انفلق وتصدع أحسسنا مما بطن فيه ما نحسه من الصفيحة العليا.
ومن الدليل على فساد قول أبي هاشم: أن الاعتماد اللازم لو افتقر إلى رطوبة أو يبوسة، لافتقر المجتلب في تلك الجهة أو في غيرها إلى ما افتقر إليه اللازم ولما صح اجتلاب اعتمادات علوية في الرطب واجتلاب اعتمادات سفلية في اليابس، دلّ ذلك على بطلان قول أبي هاشم.
ومما تمسك به الجبائي أن قال: ما لا تشترط الحياة فيه والبنية المخصوصة، فلا معنى لاشتراط الرطوبة أو اليبوسة فيه. والدليل عليه أن التأليف عند أبي هاشم غير مشروط بالرطوبة، مصيراً منه إلى أن المعنى إذا لم يتعد حكمه محله، فلا يشترط في قيامه بمحله غيرهما. وليس لأبي هاشم عصمة في المسألة يتشبث بها، إلا أنه قال: الحجر إذا عرض على النار وأو قدت عليه النار زمناً، فإما أن ينكسر ويجف ويتفتت حتى يتصعد، وإما أ، يسيل ويذاب. وكل واحد من الأمرين دليل على أن الحجر قبل ملاقاة النار كان رطباً، ثم لما نشفت النار رطوبته تكسر وانسال، فهو من أوضح البراهين على ما فيه من الرطوبة. فإن انذيابه إنما كان بمثابة الجليد، إذا حميت عليه شمس أو نار.
وهذا الذي ذكره أبو هاشم لا محصول له من أوجه: منها أن من الأجسام ما لا يتكلس ولا ينذاب أصلا، ومنها اليواقيت، ثم هي هاوية معتمدة على جهة سفل، وكذل كالجرف ربما تسيل أو لا ثم تجمد، فلا تسيل تسيل بعد ذلك، ولا تؤثر النار فيها إلا باختطاف أجزائها حتى لا يبقي من أجزائها شيء.