الجواهر من مسبب الاعتماد، إذ لا يمنع من مسبب الاعتماد إلا الاعتماد. وليس في الصفحة التي صورناها اعتماد يغالب اعتماد الأرض.
ومما يليق بهذا الفصل، وهو تتممه، اختلاف بين الجبائي وابنه في أن الجواهر القليلة هل يجوز أن تقل الأجسام الثقيلة؟ فمنع الجبائي ذلك. ولذلك شرط تتابع السكنات في معظم الأرض ليعتمد عليه ما فوقه. وأجاز أبو هاشم استقرار الجسم الكثير الأجزاء على الجسم القليل الأجزاء إذا زادت اعتمادات المتسفل تصعداً على اعتمادات المستعلي تسفلا، وإنما بني كل منهما فرعه على أصله.
فمن أصل أبي هاشم أن الاعتمادات العلوية في بعض الأرض هي التي تقل ما فوق الأجزاء المتسفلة. ومن أصل الجبائي أن الاعتماد لا يولد شيئاً، والحركات هي التي تولد. ومن أصله أيضاً منع قيام سكونين بجوهر واحد. وإنما يستمسك الجسم الثقيل بتجدد السكنات عليه. وإذا كان الجسم المتسفل أقل أجزاء، قلّت سكناته كما قلت أجزاؤه، فلا يصلح أن يكون اعتماداً للذي فوقه. وأبو هاشم يقول: إنما يكون العلماد عمادا لما فيه من الاعتماد، ويجوز عنده قيام اعتمادات بالجزء الوحد. فإحِط بمذهبهما علما لتسعين به على نقض أصولهما في مذاهب الكلام.
ومما اختلفا فيه إدراك الأكوان. فذهب الجبائي إلى أن الحركة مدركة بحاسة البصر واللمس. والسكون مدرك أيضاً عنده بالحاستين. وأبس أبو هاشم ذلك أشد الإباء ومنع تعلق الإدراك بالأكوان. واستدل الجبائي بالطريقة التي تقدمت له، وهو التمسك باختلاف المناظر. ووجه تحقيقها في هذه المسألة أن من رأى جوهراً ساكناً ثم رآه متحركا فيفصل بين منظرتيه ضرورة ويدرك بينهما تفرقة بديهية كما يدرك التفرقة بين الأسواد والأبيض. فوضح بذلك أ، الحركة مدركة.