فذهب بعض المتأخرين إلى أن تلك الصفحة تمسك الأرض في حال حدوثها وإن لم تختص بزيادة اعتمادات وكثرة تأليفات. وإنما قال ذلك لأن الشيء في حال حدوثه يستحيل أن يتحرك لما قدمناه في صدر الأكوان. ولو هوت الأرض في تلك الحالة للزم من هويها أحد أمرين وهما مستحيلان: أحدهما أن يتحرك الجوهر في حال حدوثه، وهذا متناقض في القول، إذ الحركة زوال، ولا يتحقق الزوال إلا فيما بقي زمانين. وإن منعنا تحركه وجوزنا مع ذلك هوى الأرض، للزم منه أن يجامع أجزاء السفلى أحياز الصفحة المخلوقة، وفي ذلك تقدير جوهرين في حيز، وهو مستحيل على مذهب القائلين بمنع تداخل الأجسام.
وهذا القائل إنما يقول: ذلك على تقدير لا بد من الإحاطة به، وهو أن الأرض الهاوية إذا أشغلت في هويتها حيزاً من غير لبث فيه، وكان شغل الحيز الذي يليه في الوقت الثاني عند ارتفاع الموانع، فإذا خلق في الوقت الثاني الصفحة التي يغشاها منعت هوى الأرض وحدوثها.
وهذا الذي قاله هؤلاء متجه، وهو مذهبنا. فإنا نمنع تحرك الأرض لو كانت هاوية إلى جهة سفل في الصورة التي ذكروها. غير أنا ننازعهم فيما ذكروه من الإمساك. فلا يمسك عندنا جسم جسما، وإنما يبقي كل جسم ثقيل مستقراً بأن يخلق الله تعالى فيه أكواناً متجددة يخصصها للجهة التي هو فيها. وحكى عن الخباز عن أبي هاشم: أنه منع خلق الجواهر على الصورة التي ذكرناها. فإنه علم أنها لو تصورت لاستحال هوى الأرض في حدوثها، ويستحيل عنده أن تمنع ذوات