ومما يتصل بتحقيق هذا الفصل وبه يتم بعض الغرض فيما قدمناه، ذكر اختلاف المعتزلة في استقرار الأرض وموجب ذلك لها. فالذي صار إليه الجبائي أن معظم الأرض مما يلي جهة السفل استقراره يتجدد بتجدد السكنات عليه، ولو لا تجددها لهوت الأرض. وإنما شرط تجدد السكنات فيما ذكرناه، لأن الحادث أقوى على أصول المعتزلة من اباقي، ولذلك قالوا: الضد الطارئ ينافي الباقي ويقتضي إعدامه. فإذا قيل لهم: هلا كان الباقي مانعاً للطارئ من الطرّو، فلا يرجعون عند توجيه السؤال إلا إلى اعتقادهم بأن الجاذب أقوى، وهو بالمدافعة والمضادة أولى. ثم إذا وقف ما ذكرنا ه من الأرض لتتابع السكنات فيه، فالذي فوقه يسكن بسكون باق إذ هو معتمد على ما تحته. فهذا أصل الجبائي.
وأوضح أجوبة أبي هاشم وأبرها عند أصحابه في استقرار الأرض أن إحدى شطرى الأرض، وهو الذ يلينا، فيه اعتمادات سفلية؛ والشطر الآخر من الأرض في جهة تحت، خلق الله تعالى فيه اعتمادات علوّه. فإذا اعتدلت اعتمادات الشطرين تسفلا وتصعدا، اقتني ذلك استقراراً، وتنزلت الأرض منزلة جسم يتجاذبه مسويان في القوة والآلة. فيقتضي ذلك وقوف الجسم يبنهما. وقال أبو هاشم: لو لا ما صورته من الاعتمادات العلوية في بعض الأرض، لما تصور سكونها إلا على تقدير التجدد ولا على تقدير البقاء، ولا يستقر عنده جسم ثقيل إلا بأن علوياً. وسنبسط قوله في باب الاعتمادات.
وذكر بعض المتحزقين من متأخري المعتزلة مسألة مترتبة على قياس أصولهم، وذلك أنه قال: لو زالت سكنات الأرض بأن لم تتجدد على قول الجبائي، وزال الاعتماد العلوي على ما اختاره أبو هاشم، فتهوى الأرض لا محالة. فلو خلق الله تعالى تحت الأرض صفحة منبسطة على عرض الأرض متركبة من أفراد الجواهر، فما القول في ذلك؟