وللمعترض أن يعترض على ذلك فيقول: يجوز أن تكون الرطوبة مشروطة ابتداء ولا يشترط بقاؤها. وهذا كما أن المباشر بالقدرة يشترط تعلق القدرة به قبل وجوده، ولا يشترط دوام التعلق ما دام وجوده.
قالوا: وهذا هو القياس في كل ما يؤثر في حدوث شيء مباشرة أو تولدا، والمجاورة خارجة عن القياس لدلالة خصصتها، فلا معنى لاعتبار غيرها بها إلا أن تقوم دلالة في غيرها كما قامت فيها.
ومما تمسك به من لم يشترط الرطوبة أن قال: لو شرطنا الرطبة واليبوسة لم يكن أحد الجوهرين أولى بأحد الوصفين من الثاني، ورطوبة أحدهما إذا كانت لا تتعداه فلا أُثر لها في الجوهر الثاني. فقد وجدت إذا رطوبة فردة في أحدهما ويبوسة في الثاني. ولا أثر للرطب في اليابس، ولا لليأس في الرطب، فبطل اشتراط الرطوبة اليبوسة. وهذا مدخول، إذ للمعترض أ، يقول: رطوبة أحد هما مع يبوسة الثاني يولدان التأليف بينهما مع المجاورة، ولا حجة في قول من قال: الرطبة لا تتعدى محلها. فإن مجاورة كل وجهر لا تتعداه إلى مجاورة غيره، وولدت المجاورة مع ذلك التليف. فإن لم يبعد ذلك في المجاورة لم يبق لا تسبعاده وجه في الرطوبة واليبوسة.
واستدل من شرط مع المجاورة رطوبة وبيوسة بأن قال: لو تجاور جوهران على وصف اليبس والجفاف لم يتألفا، وإنما يتألفان ويلتزقان عند اختصاص أحدهما برطوبة واختصاص الثاني بيبوسة. ولو كان التأليف تولده المجاورة المضة، لوجب أن يتألف كل متجاورين، وليس الأمر كذلك. وهذا ظاهر اللزوم على مقتضي أصول لهم.
وقد اضطرب كلام المعتزلة في ذلك. فالذي ارتضاه أبو هاشم أن كل متجاورين متألفان إذا تحقق التجاور بينهما. وها الذي ذكره طرد القياس من وجه، ولكنه إفساد لعمدة المعتزلة وتعويلهم، إذ عمد تهم في إثبات التأليف صعوبة التفكيك، فإذا زعم أبو هاشم أن كل متألفين متجاورين، وكل متجاورين