تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وظل اشتغال العرب مدة مديدة منحصرا في النقل والتقليد لا يأخذون إلا بما ينقلون

ويذهبون مذهب الأقدمين، فبينما تراهم عالمين بالأمزجة والأغذية وباحثين في

الداء والدواء؛ وإذا بهم يقولون بالتنجيم والعزائم، والرقى والطلاسم، وكان هذا

شأنهم إلى أن نبغ منهم علماء حكماء، فاستجلوا كثيرا من الحقائق العلمية وأبقوا

للخلف من مبتكراتهم وتوسعاتهم مباحث واكتشافات، فهم أول من دقق البحث في

الحميات النفاطية كالجدري والحصبة والحمى القرمزية، وحسبنا من ذلك رسالة

الرازي وهم الذين لطفوا المسهلات، وأشاروا باستعمال المن، والسنا،

والتمرهندي، والراوند، والكافور، وغير ذلك. وإن كانوا عرفوا منافع أكثر تلك

المواد بما ترتب لهم من العلائق التجارية مع الصين والهند فليس في ذلك ما يخفض

من قدرهم ويقلل من فضلهم، وهم الذين حسنوا صناعة التقطير والتخمير وتشكيل

الأواني المعدنية، وكانت لهم اليد الطولى في فن الصيدلة فوضعوا أسسه ووطدوا

أركانه فأفادوا العالم فائدة خلدها لهم التاريخ.

ثم قال الكاتب: وفوق اشتغالهم بطب البشر عنوا بعض العناء (كذا)

بالبيطرة، وهي طب الخيل والزردقة، وهي طب الطيور، وسائر العلوم التي لها

علاقة صريحة أو غير صريحة بالطب كالبزدرة، وهي صناعة الغرس والطبيعيات:

(إلى أن قال) : ولهذا قبضوا على ناصية الطب كما استقلوا بأزمة العلم من فلك،

وهندسة، ونبات، وكيمياء، ومنطق، وطبيعيات وما وراء الطبيعيات، ولبثوا

أربعة قرون متوالية مستودع المعرفة وملجأ الحكمة أي منذ تولي الرشيد في بغداد أو

قبيل توليه إلى موت ابن رشد، ولا عبرة بالفترة التي حصلت بعد وفاة ابن سينا

فإن العلم لم يمت في خلالها.

(قال) : والعجب كل العجب أنه قامت بعد ذلك للمسلمين دول شتى ذات

قوة وشأن عظيم فكان منها العرب، والعجم، والترك، والتتر، ولم تفلح دولة منها

هذا الفلاح، وإن لذلك بلا ريب أسبابا نضرب عنها صفحا لخروجها عن دائرة

بحثنا. اه

نقول: إن المدة التي ذكرها هي التي كان فيها العلم العربي في عنفوان شبابه،

وقد ولد قبلها ومات بعدها بزمن، وابن رشد مات في 595ه، ولم يكن بعد

ذلك للعرب دولة قوية بروح الدين وحياة الخلافة الإسلامية، وإن كان لدولة الترك

من القوة الحربية، ما لم تصل إليه دولة سواها، ولم تكن حياة العلم في دول

العرب بالقوة الحربية وإنما كانت بالقوة الأدبية التي جاءتهم من الإسلام، ولم يقم

الإسلام غيرهم كما يجب أن يقام، وقد ظهرت الدولة العلية بعد موت ابن رشد

بنحو مائة سنة فإن انقراض الدولة السلجوقية كان سنة 699ه وعلى أنقاضها بنى

السلطان عثمان الأول بناء سلطنته خلدها الله تعالى بتوفيق القائمين على سريرها

للعدل والإصلاح. آمين

(للمقالات بقية)

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٧٦