تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثال من أمثلة تسامح الإسلام

وضيق صدر المسيحية

تعرض صاحب مجلة الجامعة للكلام في علم العقائد الإسلامية وهو لا شك

جاهل به؛ لأنه لو عرفه لكان مسلما أو لو كان مسلما لعرفه، فزعم أن علماء الكلام

(وهو العلم الذي وضع لإثبات العقائد ورد الشبه عنها) ينكرون ارتباط الأسباب

بالمسببات، وإن كان القرآن يثبتها.

وتعرض للكلام في طبيعة الدينين الإسلامي والمسيحي فزعم أن طبيعة الإسلام

تنافي العلم والحكمة دون طبيعة المسيحية ولذلك ارتقت العلوم في أوربا وماتت في

البلاد الإسلامية يعني أن طبيعة الإسلام حكمت على المسلمين بالجهل والغباوة والبعد

عن المدنية، ونتيجة هذا أنهم لا يرتقون إلا إذا تركوا هذا الدين وصاروا نصارى

﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى﴾ (البقرة: 120) وتعرض للكلام في تاريخ بعض حكماء الإسلام، فأورد عنه ما

يقتضي كفره وهو غير صحيح. كل هذا في جزء واحد من أجزاء مجلته وهو

أعظم جناية جناها على قارئيها من المسلمين؛ لأنه يشكك غير العالم الراسخ في دينه،

والشك في الدين كفر.

قامت قيامة من اطلع على هذا الجزء من أذكياء المسلمين وعدوا هذه المجلة

أضر عليهم من المجلات النصرانية الدينية التي تطعن في الإسلام طعنا صريحا؛

لأن مجلة الجامعة تكلمهم بلسان العلم المحبوب عندهم بطبيعة دينهم فيخشى أن يغتر

الغافل بما فيها، وتلك المجلات والجرائد تقابلهم بالعدوان الظاهر فينفرون منها.

وقد علم القراء أن المستائين رجعوا إلينا وإلى إمام من أئمتنا راغبين في الرد

ورأوا أن ذلك الإمام كتب في بيان الحقيقة كتابة أثنى فيها على صاحب الجامعة وعلى

مجلته على ما كان منه، وأن تلك الكتابة كانت مثال الأدب والكمال الذي يليق بسعة

صدر الإسلام وتسامحه مع المخالفين، وإن كانوا طاعنين وقادحين، والتمس له

العذر على طعنه بالدين القيم وبأعظم علمائه وحكمائه.

ورأوا أيضا أن المنار قد حسن الظن فيه واعتذر عنه وبرأه من سوء القصد.

ولكن صاحب الجامعة لم يرض بذلك كله وأثبت لنا في الجزء الأخير أنه متعمد

لذلك الطعن ومصر عليه. وقد قابلنا على الاعتذار عنه بالسب والشتم.

أما شتمه لنا فلأننا قلنا أنه قال: إن تلك المقدمة تنتج هذه النتيجة. يعني أن

(الفضيلة والحقيقة والضمير) التي يلهج بأسمائها تقضي علينا أن نقول: إنه لا

يعرف اللغة الفرنسية إذا هو قال إننا لا نعرفها. وأما شتمه للإمام صاحب الرد فلم

ينتحل له سببا والسبب معروف وهو تأثير النصرانية في عدم التسامح وحملها على

الشدة مع المخالف بقدر الاستطاعة. وفي مصر الآن من الحرية ما يسمح للصغير

أن يتسامى ويتسلق للطعن في الكبير، وربما زين الغرور لصاحبه أن كلام الوضيع

في الرفيع هي الطريقة المثلى للانتقال من الضعة إلى الرفعة لذلك نرى أكثر

المتطفلين على إنشاء هذه الجرائد التي تبرز كل حين في مصر ثم تخفى كفقاقيع

الماء يستهلون جرائدهم بالنيل من الجرائد الغنية المنتشرة توهما أنها تهتم بالرد

عليهم فيكونون سواء وينالون ما نال أولئك من الشهرة والثراء، ولا نرضى هذه

الخطة للجامعة وصاحبها.

قال بعض الناس الذين رأوا الجامعة الأخيرة للإمام: أرأيت ما كان من

صاحب الجامعة الذي أثنيت عليه وعلى مجلته حتى رفعتها إلى أعلى منزلة

للمجلات. فقال الإمام: (لا خسارة في حسن الأدب) ولم يزد على ذلك

شيئا.

فهل يتوهمن الرصيف المحترم صاحب الجامعة أن صاحب هذا الأدب الباهر

يتنازل تواضعا إلى تصحيح مقاله والعناية بإرشاده بعد العلم بأنه لا قابلية فيه لذلك

ولا استعداد، ولا يعرف قيمة هذا الإرشاد، أم يتوهمن أن أحد تلامذته يحفل برد

سفسطة الجامعة وتحريفها الكلم لأجل تصحيح أغلاطها. أما ما تفتأت به على

المسلمين وتتقوله على اعتقادهم فإننا نبين الحق فيه لا بصفة رد أو مناظرة بل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٣١