تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16 ذو القعدة - 1320ه

14 فبراير - 1903م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

رد الشبهات عن الإسلام

السلطتان الدينية والمدنية

نحن المسلمين نعتقد أن دين الله تعالى واحد في جوهره وأن البيان والهدى فيه

إنما يختلفان باختلاف الأزمنة وأن الناس كانوا في كل زمان يأخذون من هداية الدين

بقدر استعدادهم، وأن حالة الاجتماع في الأمم السابقة كانت قاضية بإضاعة كتب

الدين كلها أو بعضها إذا طال الأمد على من جاء بها، وأن أقرب الملل ظهورا من

الإسلام لم تسلم من هذه الإضاعة، وأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي حفظ كتابه

كله وظهر في وقت ارتقت فيه حالة الاجتماع حتى يمكننا أن نحكم بأنه لم تتلاش

ثمرة من ثمار العقول بعد الإسلام ولن تتلاشى فهو مبدأ تاريخ جديد في البشر.

قلنا: إن أقرب الملل زمنا من الإسلام لم تسلم من الضياع، وظاهر أننا نعني

اليهودية والنصرانية فكل من الفريقين قد فقد السند المتصل لكتبه المقدسة فهو غير

موجود قولا ولا كتابة، وهذا هو المراد بقوله تعالى فيهم: {أوتوا نصيبا من

الكتاب} (آل عمران: 23) وقوله عز وجل في كل منهما: {فنسوا حظا مما

ذكروا به} (المائدة: 14) والحظ بمعنى النصيب أي أنهم حفظوا بعض ما أوتوه

ونسوا بعضه، ومتى ذهب بعض الدين صار الباقي غير موثوق به وإن سلم من

التحريف فيه والإضافة إليه، فكيف إذا لم يسلم، وقد أنزل الله تعالى القرآن

﴿مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾ (المائدة: 48) والمراد بالكتاب

الجنس والمهيمن المراقب الذي عنده نبأ ما يرقبه، فما صدقه القرآن من تلك الكتب

فهو من النصيب الذي أوتوه، وما أخبر به وليس موجودا فهو من الحظ الذي نسوه،

وما كذبه فهو مما زادوه وأضافوه فهو الحكم العدل، وإنه لقول فصل وما هو

بالهزل، وكان الواجب أن يحكموه فيما شجر، وينتهوا عما نهى ويأتمروا بما أمر،

وكذلك فعل الموفقون، وصد عنه الآخرون، والسبب في الصدود هو السلطة

الدينية التي جعل ذووها الدين لمصلحتهم تقليديا محضا؛ عقود عقائده بأيدي الرؤساء

مثل الأحبار والأساقفة يقلدونها الناس ويحمونهم سواها وينشئون الأحداث، من

الذكران والإناث على اعتقاد وجوب التسليم لهم، والرجوع في كل أمر الدين إليهم،

ولا يزال أثر هذه التنشئة ظاهرا فيمن يتربى في مدارس القسيسين فتراه يناظرك

في المسألة فإذا قامت عليه حجتك قال إن هذا الذي تقول ظاهر في نفسه ومعقول،

ولكنه من أمر الدين والقسيس يقول بخلافه ولا قول في الدين إلا ما يقول القسيس

ولا يشترط أن يكون قوله معقولا ولا مفهوما! !

فإذا قال النصراني: إن السلطة الدينية مثار التعصب الذميم، ومبعث العداوة

والبغضاء بين الجيران والأقربين، والحجاب دون المساواة بين أهل الوطن الواحد

في الحقوق، والقيد الذي تقيد به الإرادة والعزيمة، والغل الذي يغلل به العقل

والفكر، فالمسلم يصدقه ولا ينازعه يصدقه حامدا لله تعالى أن ليس في دينه طائفة

جعل لها الإسلام حق السيطرة على العقول والأرواح تودع فيها ما تشاء وتحرمها

مما تشاء، وتتصرف في المسلمين باسم الدين كما تشاء، ثم يلتفت فيرى أن المسلمين

الذين قلدوا الرؤساء الروحيين عند النصارى لم يبلغوا أن صار لهم سلطة حقيقية

منتظمة يحاسبون بها الأفكار على خواطرها والعقول على معارفها بل هؤلاء هم

الذين كانوا يتسامحون مع الفكر والخيال ما لا يتسامح غيرهم ويعدون كل معرفة

تقرب من الله تعالى؛ لأنهم يقولون: إن لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق، ثم يلتفت

من جانب آخر فيرى أن هؤلاء المقلدين في السلطان الروحاني لا تعظم سلطتهم إلا

حيث يصغر العلم بالدين، ولا يقوى نفوذهم إلا حيث يضعف نفوذ الحكم الإسلامي،

وما عز لهم سلطان في مكان، إلا وكان وبالا على المسلمين والإسلام، فإن كنت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٢٥