16 رجب - 1320ه
18 أكتوبر - 1902م
الكاتب: محمد عبده
-----------------
<span class="footnote">
الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية
تتمة المقال الرابع لذلك الإمام الحكيم
(الجواب)
أقول هذا كلام فيه شية من الحق، ولمعة من الصدق، أما ما نسمعة حولنا
من سجن من قال بقول السلف فليس الحامل عليه التمسك بالدين فإن حملة العمائم
إنما حركهم الحسد لا الغيرة. وأما صدور الأمر بالسجن فهو من مقتضيات السياسة
والخوف من خروج فكر واحد من حبس التقليد فتنتشر عدواه فينتبه غافل آخر
ويتبعه ثالث، ثم ربما تسري العدوى من الدين إلى غير الدين - إلى آخر ما يكون
من حرية الفكر يعوذون بالله منها. فإن شئت أن تقول: إن السياسة تضطهد الفكر
أو الدين أو العلم فإنا معك من الشاهدين. أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة،
ومن معنى السياسة، ومن كل حرف يلفظ من كلمة السياسة، ومن كل خيال
يخطر ببالي من السياسة، ومن كل أرض تذكر فيها السياسة، ومن كل شخص
يتكلم أو يتعلم أو يجن أو يعقل في السياسة، ومن ساس ويسوس، وسائس ومسوس،
يدلك على أن العقوبة سياسة أن الرجل كان يقول بقول السلف من أهل الدين. لا
تقل: إن هذه السياسة من الدين، فإني أشهد الله ورسله وملائكته وسلفنا أجمعين،
أن هذه السياسة من أبعد الأمور عن الدين، كأنها الشجرة التي تخرج في أصل
الجحيم، {طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون، ثم
إن لهم عليها لشوبا من حميم، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم، إنهم ألفوا آباءهم
ضالين، فهم على آثارهم يهرعون} (الصافات: 65 - 70) .
* * *
(جمود المسلمين وأسبابه)
وأما ما وصفت بعد ذلك من الجمود فهو مما لا يصح أن ينسب إلى الإسلام
وقد رأيت صورة الإسلام في صفائها ونصوع بياضها ليس فيها ما يصح أن يكون
أصلا يرجع إليه شيء مما ذكرت ولا مما تنبأ بسوء عاقبته (رينان) وغيره. وإنما
هي علة عرضت على المسلمين عندما دخل على قلوبهم عقائد أخرى ساكنت عقيدة
الإسلام في أفئدتهم. وكان السبب في تمكنها من نفوسهم وإطفائها لنور الإسلام من
عقولهم هو السياسة، كذلك هو تلك الشجرة الملعونة في القرآن عبادة الهوى واتباع
خطوات الشيطان هو السياسة.
لم أر كالإسلام دينا حفظ أصله، وخلط فيه أهله، ولا مثله سلطانا تفرق عنه
جنده، وخفر عهده، وكفر وعيده ووعده؛ وخفي على الغافلين قصده، وإن وضح
للناظرين رشده، أكل الزمان أهله الأولين، وأدال منهم خشارة من الآخرين، لا هم
فهموه فأقاموه، ولا هم رحموه فتركوه، سواسية من الناس اتصلوا به، ووصلوا
نسبهم بسببه، وقالوا نحن أهله وعشيرته، وحماته وعصبته، وهم ليسوا منه في
شيء إلا كما يكون الجهل من العلم، والطيش من الحلم، وأفن الرأي من صحة
الحكم.
انظر كيف صارت مزية من مزايا الإسلام سببا فيما صار إليه أهله. كان
الإسلام دينا عربيا ثم لحقه العلم فصار علما عربيا بعد أن كان يونانيا، ثم أخطأ
خليفة في السياسة فاتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا له. ظن أن
الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علوي؛ لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبي
صلى الله عليه وآله وسلم. فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيا من الترك والديلم
وغيرهم من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه، ويصطنعها بإحسانه، فلا تساعد
الخارج عليه ولا تعين طالب مكانه من الملك. وفي سعة أحكام الإسلام وسهولته ما
يبيح له ذلك. هنالك استعجم الإسلام وانقلب عجميا.
خليفة عباسي أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه وبئس ما صنع بأمته ودينه: أكثر من
ذلك الجند الأجنبي وأقام عليه الرؤساء منه، فلم تكن إلا عشية أو ضحاها حتى
تغلب رؤساء الجند على الخلفاء واستبدوا بالسلطان دونهم وصارت الدولة في قبضتهم
ولم يكن لهم ذلك العقل الذي يرضاه الإسلام والقلب الذي هذبه الدين. بل جاءوا إلى