غرة ذو الحجة - 1320ه
28 فبراير - 1903م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
مسألة النساء
مضار تربية النساء الاستقلالية في الإفرنج
(تمهيد) للأمم طريقان تسير عليهما في حياتها الاجتماعية طريق الهداية
الدينية مع النظر والتجربة وطريق النظر والتجربة بدون استعانة بهداية الدين. ولا
يعرف التاريخ أمة من الأمم ارتقت في الحياة الاجتماعية دون دين ولكن كثيرا من
قادة الإفرنج في السياسة والعلم قد مرقوا من النصرانية واستدبروا تعاليمها
الاعتقادية والأدبية والعلمية في طريق مدنيتهم مقررين أنه لا يعتمد في شؤون الحياة
إلا على النظر والتجربة معا دون ما عداهما فاشتهر في العالم أن الإفرنج مرقوا من
الدين في الواقع وإنما ينصرونه ويتعصبون له لأجل السياسة الخارجية وأنهم لم
يرتقوا إلى فئة حضارتهم هذه إلا بهذا المروق والاستدبار. وهذه شبهة أو حجة
على بطلان النصرانية إذا كان الدين كما يقول المسلمون سائقا إلى إصلاح الدارين
وسعادة الحياتين، ولكننا رأينا من كتاب النصاري من يقول: إن الدين خاص
بطلب الدار الآخرة، ومراعاة تعاليمه في أمور الدنيا مفسد لها.
وقد خدع بمثل هذه الأقوال والأحوال بعض المسلمين الجغرافيين الذين لا
يعرفون من الإسلام إلا بعض ما يرون ممن عاشوا معهم فحسبوا أن المسلمين لا
يرتقون إلا بمثل ما ارتقى به الإفرنج من استدبار الدين والاعتماد على النظر
والتجربة اللذين هما طريق تمحيص العلم. يقيسون دينا على دين يخالفه في حقيقة
معناه وفي تعاليمه الاعتقادية والأدبية والعملية وفي آثاره الاجتماعية والمدنية ولا
حجة لهم إلا أن الإفرنج باستدبار الدين ناجحون والمسلمين في الواقع ونفس الأمر
خاسرون، ولو أبصروا لرأوا أن هذا الخسار، إنما تولد من المروق والاستدبار.
وأن قياسهم إنما هو قياس الضد على الضد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لقد سبح القلم إلى ما ليس من موضوعنا في هذا التمهيد والذي نريد أن نقوله
هو أن الإنسان على كونه أرقى الأحياء في هذه الأرض لم يستغن ولن يستغني
بنظره وتجاربه عن هداية الدين وإرشاده، ولدين وثني خير له من ترك التدين
بالمرة.
وأن كل أصول الارتقاء التي بني عليها عمل مستدبري النصرانية في أوروبا
مستفادة من الدين إما من بقايا دينهم تقليدا وإما مما وصل إليهم من الإسلام اجتهادا.
وأنه يجب على المسلمين الذين وجهوا وجوههم للحضارة الإفرنجية بالتربية والتعليم
أن يترووا في نظام هذه التربية وقوانينها فلا يجعلوها تقليدية خالصة. وأنه يجب
أن يكون أول هذا التروي تقوية الرابطة الملية التي كانوا بها أمة لئلا تكون التربية
مفرقة لاجتماعهم ممزقة لشملهم فيكونوا كالباحث عن حتفه بظلفه، وأنه يجب إقامة
ما قرره الدين على سبيل القطع والتروي والاجتهاد فيما وكله إلى الناس والاعتماد
فيه على النظر والتجربة والاعتبار بسير الأمم ونتائجه. وأن أكبر العبر ما وقع فيه
الإفرنج من الأمراض الاجتماعية بشذوذهم عن هداية الدين في كثير من المسائل
وإن انتفعوا نفعا عظيما في أمور أخرى إذا خالفت النصرانية فإنها توافق الإسلام بل
هي لا بد ترجع إلى أصل من أصول هدايته كما تقدمت الإشارة إليه آنفا.
مسألة النساء: وبعد هذا التمهيد نقول: إن لدينا الآن مسألة كبيرة وهي
مسألة النساء، كيف يعلمن، وكيف يربين ليكن عونا للرجال على الارتقاء ومجاراة
الأمم الحية؟ .
إن طلاب تغيير سير الأمة بالتربية والتعليم قد وضعوا نصب أعينهم أوربا
وارتقاءها فمنهم من يطلب محاكاتها وهم الحكام وبعض العقلاء، ومنهم من يستحب
تقليدهم تظرفا وتزلفا وهم الذين أخذوا قشورا من العلوم المصرية في مدارس أوربا
أو مدارس بلادهم التي أنشئت لهذه العلوم وفتنوا بزخرف المدينة الأوربية
وبهرجها. كانت فرنسا هي القبلة الأولى للأستانة ومصر في طلب هذا التحول؛