كيف يكون المستقبل للمسلمين
قرأت في (المنار) الزاهر مقال سماحة السيد البكري فأيقظ في نفسي آمالا
كبارا، وهاج من قلبي مرامي بعادا، ورأيته يتفق معي في الغاية، ويلاقي قلمه
قلمي في النهاية، إلا أنه سار إليها من طرق المعارف التشريحية، وانتحى إليها
وجهة علم الظواهر الجوية، وناط ذلك المستقبل بالفواعل الطبيعية، والأحوال
الوسطية من كثرة السكان وخصوبة المكان وعدم إمكان الإنسان المعيشة في كل
مكان، وهي قضايا يتناولها النقد، ويمكن فيها الأخذ والرد والإقبال والصد، إن
رضيها (جوستاف لوبون) رفضها (لينيه) و (كاترفاج) و (داروين)
و (وروسل ولاس) و (هكسلي) و (لامارك) و (كوفييه) و (بوفون)
وغيرهم من إخوانه الفسيلوجيين، على أن تعليق حياة الإسلام على مؤثرات الوسط
وعوامل المكان لا يناسب مجده وعلو شأنه، وأهميته أكبر من أن تدفع الكاتب إلى
تحري أفكار الأفراد لتسكين الخواطر على نجاة بلدانه، وسلامة أوطانه، فإن كان
الإسلام له المستقبل الباهر والآتي الزاهر، فليس ذلك إلا لكونه الحق الصميم،
والنور الصريح، والكلمة العليا، والمحجة البيضاء، أنشودة الإنسان وضالة العرفان
ونظام العلم والدين؛ وسلك الفلسفة الحسية واليقين، إن كان ينشره الصوفية اليوم بين
الشعوب الشرقية المنحطة في درجات المدنية والعلوم الكونية، فسينشره غدا
لهاميم الفلسفة الحسية، ويآفيخ المعارف الطبيعية، ليس لكونه كما اعتدنا أن نقول
دينا جمع بين المصالح الروحية والجسدية ويربط بين الأمور الدنيوية والأخروية
فقط، هذه بعض مزايا الإسلام تابع بسيط لتعاليم نسردها سردا لبعض العقول البسيطة
التي لا تدرك غيرها، ولا تتمسك بالدين إلا من أجلها؛ أما غدا وليس ببعيد يوم
تجيء دولة الروح ويخرج الإنسان من قهر المادة العمياء وسلطة الطين الأصم
وينتهي دور الزخارف الحيوانية، وتزول سلطنة البطن والأميال البهيمية، وينقلب
شأن الإنسان من حال مادي إلى حال روحاني كما انقلب من حال فطري إلى حال
فكري عقلي؛ فتشرق الروح في عالمها وتزعج الإنسان إلى أداء مطالبها، وتصيح
به لأن يعرج بها إلى محتدها، ويصعد معها إلى أوجها، كما كانت تزعجه المادة
إلى القيام برغائبها، وتميل به إلى عالمها، وتطالبه بالركون إلى طينها، ذلك اليوم
تطلب الروح بابا لعروجها، وترتاد طريقا لصعودها، تلتفت إلى جثمانها فتراه عبئا
ثقيلا ومانعا كثيفا، وأنى له اختراق طبقات اللطافة الملكوتية بها؟ وكيف له السبح
في العوالم النوارنية معها؟ هنالك يكون التنازع بين الروح والجسد لا كما هو الآن
تنازع بين مطالب غذائية. وزخارف مادية، وأغذية دهنية وشحمية وألبسة قطنية
أو حريرية، بل تنازع في كيفية اعتمادهما معا على السبح في سبحات النور
الأقدس، والجري يدا بيد في باحات الكمال الأقدم.
هنالك سيدور الإنسان على نفسه دورة أخرى على محور لا يتخيله الآن إلا
كبار الأفئدة كبار العقول، هنالك سيكون الإسلام قائد تلك الحركة وسلطان تلك
الدولة والداعي إلى الكمال بلسان العدالة المطلقة والمؤاسي بمراهمهه الشافية القلوب
اليائسة، هنالك سيحوم الناس حول الإسلام كما يحول الفراش حول النور يطلبون
نجاة أرواحهم وأجسادهم معا لا أرواحهم فقط. هذه حقائق لا خيالات إلا أن تجليها
للأذهان يحتاج إلى كلام كثير بل سفر كبير.
فمستقبل الإسلام فيما أعلم وأرى من هذا الباب دون غيره وهو أليق بعلو شأنه
وأنسب لرفعة مكانه وأولى به دينا إلهيا ووحيا علويا؛ ولكن متى نصل إليه، وأي
نوع من أنواع الوسائل نعول عليه؟ هذه جهة الخلاف بيني وبين سماحة السيد.
يرى أن أنجع الوسائل لذلك فتح المدارس وترتيبها؛ وترجمة الكتب العلمية ونشرها،
ومشاطرة الأجانب في لغاتهم والتعمق فيها؟ ويرجو لذلك أن تعقد جمعيات وتشكل
هيئات، وتنضم أصوات وتتحد وجهات وتتفانى همم أبية، وتتكاتف عزائم إسلامية،