تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غرة ربيع الثاني - 1320ه

7 يوليو - 1902م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

(الدرس 35)

عدد الأنبياء ومواطنهم وتعددهم

(المسألة 96)

عدد الأنبياء والمرسلين رووا في عددهم أحاديث لا يحتج بشيء منها ومنها

الضعيف والموضوع وأمثلها ما رواه أحمد والطبراني وابن حبان والحاكم وابن

مردويه والبيهقي في الأسماء عن أبي أمامة قال: قلت يا رسول الله كم عدد الأنبياء؟

قال (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما

غفيرا) وفي رواية للحاكم والبيهقي عن أبي ذر (والمرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر

وآدم نبي مكلم) ومن حديث أنس عند الحاكم وابن سعد أن الأنبياء ثمانية آلاف

ويفهم منه أن المراد بهم المرسلون، وفي حديث جابر عند ابن سعد، وأبي سعيد عند

الحاكم (إني خاتم ألف نبي أو أكثر) ولعدم الثقة بهذه الروايات قال العلماء بالوقف

في مسألة عدد الأنبياء؛ لأن القائل بعدد يكون نافيا لما زاد عنه فهو كالمكذب بالزائد

وما يدريه لعل هناك زيادة. هكذا قالوا وأقوى منه أنه قول على الله بغير علم فهو

من الكذب عليه جل ثناؤه ومن اتباع الظن في الأمور الاعتقادية {إن الظن لا يغني

من الحق شيئا} (يونس: 36) . وقد قال تعالى لنبيه {منهم من قصصنا عليك

ومنهم من لم نقصص عليك} (غافر: 78) فحسبنا من العدد ما قصه الله تعالى

في القرآن أن الرسل الذين ذكروا في القرآن يجب الإيمان بهم تفصيلا. قال تعالى:

{وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم

عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود

وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا

ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا

فضلنا على العالمين} (الأنعام: 83-86) فهذا هو تفضيل النبوة والرسالة

يفضلون به سائر الناس.

وقد وردت هذه الأسماء متصلة على هذا الوجه، وقال تعالى: {واذكر في

الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا} (مريم: 56) وقال جل جلاله في ذكر قصص

المرسلين ﴿وإلى عاد أخاهم هودا﴾ (الأعراف: 65) وقال: {وإلى ثمود أخاهم

صالحا} (الأعراف: 73) وقال: ﴿إلى مدين أخاهم شعيبا﴾ (الأعراف: 85)

أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا ومثله ما بعده وقال تعالى: {واذكر إسماعيل

واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار} (ص: 48) ، فذكر ذا الكفل بين الأنبياء،

ولم يبق إلا ذكر الفاتح وهو آدم والخاتم وهو محمد عليهم الصلاة والسلام وذكرهما

في القرآن مستفيض.

***

(المسألة 97)

معاهد الأنبياء ومواطنهم: إن المعروف من تاريخ هؤلاء الأنبياء الكرام يدل

على أنهم كانوا كلهم أو جلهم من بلاد العرب وما يتصل بها من الشام وفلسطين

والعراق كأن هذه القطعة الصغيرة من الأرض التي يكون منها القاموس الهندي

والبحر الأحمر والبحر المتوسط شبه جزيرة هي منبت الأنبياء والمرسلين من بعد

آدم أي من عهد نوح إلى عهد محمد عليهما الصلاة والسلام. وكأن الله تعالى

اختص أهلها بالهداية دون سائر خلقه وإن القول بحصر النبوة والرسالة في هذه

البقعة لمن أقوى شبه الملاحدة على الدين وهو ينافي ما تقدم في بيان وجه الحاجة

إلى إرسال الرسل فيمكن أن يبطلوا ذاك بهذا إن صح وقد حملهم ما رأوا في كتب

اليهود والنصارى من حصر الأنبياء في بلاد فلسطين والشام وما جاورها على

البحث في أخلاق أهل هذه البلاد وطبائعهم وعاداتهم فزعموا أن عند خواصهم

استعدادا خاصا للقيام بالدعوات الدينية والمذاهب والرياسة الروحية وأن عند عوامهم

استعدادا لإجابة كل داع واتباع كل ناعق قالوا: ولأجل هذا حدثت الأديان والمذاهب

والفرق في هذه البلاد دون غيرها.

هذه الوساوس لا منفذ لها إلى قلب من يفهم القرآن فقد قال جلت حكمته:

﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (فاطر: 24)

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١١٨