إيمان المسلمين وأعمالهم
جاء في الجزء 8 من مجلة بشائر السلام نبذة تحت هذا العنوان ملخصها أنه
يجوز على مذهب أهل السنة (أن يؤمن أحد بالإسلام إيمانا حقيقيا وتبقى أعماله
شريرة) واعترض الكاتب على هذا اعتراضين؛ أحدهما: أن الإيمان الذي لا
ينشئ في صاحبه توبة وعملا صالحا بل يتركه وسيئاته تفوق حسناته ومضاره تزيد
عن منافعه.. . فهو إيمان باطل عديم النفع يحط من كرامة الخلق ويزيد في شقاوة
المخلوق. ثانيهما: عجز الإيمان المحمدي عن الخلاص التام.
وقد أورد الكاتب بعد الاعتراض الأول كلمات من كتب العهدين تدل على أنه
يطلب من الإنسان أن يكون كاملا، ولكنها لا تدل على أن المؤمن يكون معصوما من
الذنوب، وأورد بعد الثاني كلمات تدل على أن الإيمان بالمسيح كاف للخلاص ولكن
لم يشترط مع الإيمان عملا صالحا.
لو كان هؤلاء المعترضون يعتقدون بما يقولون لكانت هدايتهم قريبة وإقناعهم
أقرب ولكنهم يلوكون الكلام ويلوون ألسنتهم بالكتاب ليفتنوا به عامة المسلمين
الجهلاء ولا يبالون إن كان الكلام حجة عليهم، عهدهم الجديد ناطق بأن البر والعمل
بالناموس الإلهي لا يغنيان عن الإنسان شيئا وإنما يغني عنه الإيمان بالمسيح فقط
وبذلك ينجو ويرث الملكوت وإن كان شر الأشرار وأفجر الفجار والقرآن لا يكاد
يذكر الإيمان إلا مقرونا بذكر العمل الصالح، وورد في السنة الصحيحة أن الإيمان
قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وهذه السنة مؤيدة بخمس وسبعين آية
من القرآن، وهذا ما عدا الآيات التي ذكر فيها العمل الصالح بدون ذكر الإيمان قال
تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ (طه: 82) وقال
عز وجل: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد
له من دون الله وليا ولا نصيرا * ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو
مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} (النساء: 123-124) وقال جل
ذكره: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته
زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون *
أولئك هم المؤمنون حقا} (الأنفال: 2-4) وقال تقدست أسماؤه: {والعصر *
إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق
وتواصوا بالصبر} (والعصر: 1-3) ، فهذه السورة القصيرة أجمع للفضائل،
وأبلغ في الهداية من جميع الكتب التي في العالم سماوية كانت أو غير سماية، وهي
كافية لأن تكون دينا مستقلا لقوم يتدبرون.
إن الشبكة التي يصيد بها الجاهلين هذا الكاتب وأمثاله إلى المسيحية هي أن
خلاص الإنسان محصور في أن يؤمن - أي: يقول وإن لم يعقل - أن الإله مركب
من ثلاثة أصول كل واحد منها عين الآخرين، فالثلاثة واحد، وأن أحد الثلاثة وهو
الابن حل في جسم إنسان بواسطة آخر وهو روح القدس فصار هذا الإنسان الإله
وابن الإله وإنسانا وابن الإنسان وصار هو الله ثم إنه سلط أعداءه على نفسه
فصلبوه واحتمل الألم واللعنة الإلهية لأجل خلاص الناس من ذنب أبيهم آدم؛ لأنه لم
يجد غير هذه الطريقة لخلاص عباده.
لا يطلب هذا الكاتب وأمثاله ممن يدعوهم إلى دينه إلا هذا القول الذي لا يعقل
ولا يحمل النفس على عمل صالح بل يجرئها على جميع المعاصي، والجاهل يحب
أن تباح له المعاصي ويكون ناجيا بكلمة يقولها، فإذا كان دعاة النصرانية قد بدا لهم
أن يشترطوا مع هذه الكلمة التي يسمونها إيمانا ترك المعاصي والأعمال الصالحة
فأية مزية لدينهم غير تلك الكلمة التي لا تعقل ولا تفهم؟ ألا يعلم أنه إذا دعا مسلما
إلى دينه وطالبه بترك المعاصي وبعمل الصالحات فإنه لا يستطيع أن يصيده مهما
كان جاهلا؛ لأنه يقول: إن هذا يكلفني بمثل ما يكلفني به ديني ويزيد علي ثقلا
آخر وهو الإيمان بما لا أعقله ولا أفهمه وهو أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد، وأن الله