أميل القرن التاسع عشر
الشذرة العاشرة من جريدة الدكتور أراسم [*]
(التقليد والذاكرة)
مثل هاتين القوتين في فتنة العقل والتغرير به كمثل الفتانات الخرافية التي
كانت تظهر في بحر صقلية وتستهوي الملاحين بشجي صورتها فتوردهم في شعابه
مورد الهلكة فإنهما بعلو مكانتهما وجلال خطرهما في دراسة اللغات وبخداعهما
العقل أحيانا في آدابها بما يأخذانه عن الغير من محاسن القول وطرائفه يأكلان
الاستعداد الحقيقي أكلا، وقد يكون الذنب في ذلك على المربين دونهما لما ينهجونه
من طريقة التربية فإن أحدا لا يرتاب في كون تينك القوتين من المواهب الخلقية
الميمونة، بيد أن هذا لا ينبغي أن يكون سببا للإفراط في تنميتها فإنك ترى التلميذ
الذي تربى على طريقتنا يصف لك بما قرأه في الكتب أشياء لم يرها في حياته
ويفوه أمامك بجمل من القول المنثور أو المنظوم تدل على ضروب من الوجدان
وهو لم يشعر بشيء منها قط ويبدي من الهيج والانفعال في بعض أحوال لا علاقة
له بها من حياة غيره ما لا أثر له في نفسه ولو أنك سألته أن يتغنى بذكر الأشجار
وظلالها والأنعام ورعاتها والربيع وأزهاره لوجد فيما يذكره من محفوظاته جميع ما
قاله فيها فرجيل [1] وهوارس [2] من النعوت والأوصاف ومع أنه قد يكون خيرا له أن يذهب إلى
المزارع ويرى بنفسه ما يحصل فيها وكيف يحصل تراه شديد الاحتراس من
موافاتها خشية أن يخسر فيها وما تواضع عليه الأقدمون من الصور اللفظية لتأدية
ما كان يعرض لأذهانهم من المعاني والأفكار وإذا استوصفته قتالا انبرى يصف لك
ما استعمل فيه من الآلات وكيف كان اصطدام الجيشين بألفاظ مطنطنة وعبارات
مجلجلة وهو لم يشهد شيئا من ذلك أبدا فإذا كان مرادك اختباره في محاصرة العدو
وجدته قد انتهى من حصاره كما انتهى فرتوت [3] ولقد عرفت فيما سبق تلميذا كان
يبدو عليه كثير من مخايل النجابة نال إكليلا مكافأة له على قرضه شعرا وصف فيه
زج سفينة في البحر وهو لم ير في عمره سفينة ولا بحرا.
نعم إن الشبان في هذه الأيام لا يكادون ينفلتون من المدارس إلا وهم رافضون
لآثار السلف نابذون لها ظهريا غير أنه لا معنى لهذا إلا أنهم يعتاضون عن مثل
الغابرين ومثل الحاضرين لأن محو طيات التقليد وغضونه من النفس وإرجاعها إلى
صقالتها الفطرية ليس من السهولة بالمقدار المتوهم فإننا كل يوم نقرأ في وصف
الكتاب والشعراء المبتدئين قول واصفيهم في الواحد منهم أنه نابغة يفتش على نفسه
فليقل لي بربه هذا الفتاش أين أضل نفسه حتى أصبح ينشدها.
إن تربية تكون بدايتها إضلال وجدان الاستقلال إلى حد أنه ينبغي لأجل
الاهتداء إليه تلمسه سنين طويلة لمن الغرابة بمكان.
أنا لا أشتهي ولا أرجو أن يكون (أميل) ميالا إلى وقف نفسه على دراسة
آداب اللغة ولو أني وهيلانة دأبنا في تحبيبها إليه وأفلحنا في حجب حالة عقله
بزخارف الذاكرة لأخفقنا في مسعانا إلى غايتنا المطلوبة، فاتقاء لهذا الخطر تراني
مصمما على إرجاء تعليمه اللغات القديمة وإقرائه كتب مؤلفيها وقد جعلت له مشاهدة
الأشياء مقدمة على علم الألفاظ فأصبحت علومه على ما فيها من النقص لها أصول
في الخارج ترجع إليها ودعائم في الواقع تستقر عليها وسعيت في إيتاءه من آلات
الضبط والدقة العقلية ما هو لازم للإنسان في بحثه عن الحسن والحق أكثر جدا من
سعيي في الإفضاء إليه بما لي أو ما لغيري من المعاني.
وقبل أن أجعل البحث في مثل الأقدمين في مكنته سأعني كل العناية بتنبيهه
إلى أن مثل هذه المثل لا تقلد فإنه من السخف المحقق أن نباري الغابرين مباراة
نحن على يقين من غلبنا فيها من قبل أن ندخلها، وكيف لا نكون مغلوبين لهم ونحن
نرضى لأنفسنا طريقتهم في الكلام والكتابة والذي لا غضاضة علينا في أخذه عن
كتاب اليونان والرومان إنما هو روح آداب لغتهم وما يناسب كل زمان وكل قوم من