سيديو: إن البحث عن الجواهر الطبية الذي مدحه ديوسقوريدس لأهل مدرسة
الإسكندرية كان من مخترعات العرب، فإنهم هم المنشئون للصيدليات
(الأجزخانات) الكيماوية والموروث عنهم ما يسمى الآن بقواعد تحضير الأدوية
الذي انتشر بعد من مدرسة سالرنة في الممالك التي في جنوب أوربا:
ومن مخترعات العرب في الكيمياء، الكحول أو الغول، الذي صار قوام
الأعمال الكيمياوية والصيدلية، وتركيب حمض الكبريت، والماء الملكي، والماء
المعشر، والجلاب، وغير ذلك من الأدوية والمعاجين والمربيات والهلامات.
قال في دائرة المعارف: (وهم أول من اخترع السواغات لإذابة الأصول
الفعالة للأدوية سواء كانت معدنية أو نباتية أو حيوانية، واخترعوا الأنبيق والتقطير
والتسامي ووضعوا في أيام الخلفاء قانونا أقرباذينيا، كانت جميع التراكيب
الأقراباذينية المذكورة فيه مثبتة من طرف الحكومة لا يجهز خلافها) أي أنهم هم
الذين جعلوا عمل الصيدلة رسميا بمعرفة الحكومة.
وأشهر العلماء المخترعين في الكيمياء والأقراباذين (الصيدلة) أبو بكر
الرازي صاحب كتاب (الترتيب) فيها، والكتب الكثيرة في الطب والفلسفة (توفي
سنة311ه) وهو المخترع للمسهلات اللطيفة، ولاستعمال كثير من النبات في
الطب، والرئيس أبو علي بن سينا فيلسوف الشرق وأكبر أطبائه، وابن رشد
فيلسوف الغرب، وأكبر أطبائه، وقد ترجم الأوربيون أكثر كتب هذين الفيلسوفين،
وانتفعوا بها كما انتفعوا بكتب الشيخ أبي بكر الرازي ويشهدون للجميع بالتبريز في
العلوم.
***
الطب:
لا يعرف التاريخ أمة أقدم عهدا في صناعة الطب من المصريين فهم
أساتذة اليونانيين وأئمتهم، ولكن طبهم كان ممزوجا بالأوهام والتقاليد الخرافية
كاعتقادهم أن الصرع يكون بدخول عفريت من الجن في جسم الإنسان، وكانوا
يعالجونه بالرقى والعزائم، وإنما برعوا في فرع واحد من فروع الطب، وهو
التحنيط، وكان التشريح مذموما عندهم، والأطباء من غير الكهنة محتقرين يعاقبون
إذا مات من يعالجون، ثم لما دالت دولة العلم إلى اليونان بعد انحلال المصريين
عنوا بالطب، فكان علما محترما، ثم قضى الرومانيون على علم اليونان، كما
قضوا على دولتهم، وكانت عنايتهم في المعالجة مقصورة على الرقى والطلاسم
ومجربات العامة التي يتناقلونها، ثم أحوجتهم الحضارة إليه فأجلوا الأطباء بعد
احتقارهم، ولكن الرومان أنفسهم لم ينبغوا في الطب وفنونه، بل احتقروه في أول
دولتهم واحترموه في عنفوانها، ثم عفا وانحل بانحلال دولتهم حتى إذا نهض
الإسلام بالعرب لم تكن لهذه العلوم سوق نافقة في الأرض فأحيوها بعد موتها.
دائرة المعارف: ولما كانت فتوحات العرب، وضربوا في طول البلاد
وعرضها كان الطب كسائر العلوم في أسفل درك الهوان والخمول؛ فنهضوا به
نهضة جديدة، والتقطوا مسائله من كتب اليونان وغيرهم وأودعوه كتبهم مع زيادة مما
توسعوا فيه بالبحث والتحري، وأجادوا بتعريفه ووصفه وتقسيمه:
(ثم قال) : ولم يكد يفرغ الخلفاء ومن وليهم من بني أمية من بسط جناح
الإسلام حتى أخذ الخلفاء يلجون باب العلم كما ولجوا باب الفتوحات فكان للطب علم
وافر، واستعانوا بعلماء اليهود والنصارى عملا بالحديث القائل (استعينوا على كل
صنعة بصالح أهلها) فكانت للأمويين من ذلك بعض الآثار، ولكن الآثار المشيدة
والمساعي الحميدة، إنما كانت للعباسيين في بغداد ومن ثم للأندلسيين فاتخذ السفاح
العباسي أطباء ماهرين أقام بختيشوع النسطوري رئيسا عليهم وطبيبا خاصا له كما
كان جويه اليهودي عند عمر بن عبد العزيز الأموي:
ثم ذكر بعض كبار أطباء العرب ومؤلفاتهم واكتشافاتهم، وقال:
(وعلى هذا كانت دولة العرب عروة الوصل بين طب المتقدمين وطب
المتأخرين، ولولاهم لانتثر العقد، وعفا الكثير من معالم العلم والعرفان، فإن معظم
ما تناوله الإفرنج من علم الأقدمين قبل فتح القسطنطينية إنما كان عند العرب،