غرة صفر - 1320ه
9 مايو - 1902م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
(الدرس 34)
الأجوبة عن شبهات العصمة
(المسألة 90) معصية آدم عليه السلام:
علمنا أن مذهب جمهور أهل السنة أن الأنبياء معصومون بعد النبوة لا قبلها،
فلا ترد معصية آدم على هذا المذهب؛ لأنه لم يكن نبيا حين عصى ربه، بل لم يكن
في طور التكليف إلا بالنسبة إلى النهي عن الأكل من الشجرة. ولا ترد أيضا على
ما اختاره المتأخرون من عصمتهم قبل النبوة (وإن كان يلزم منه أن هناك أحكاما قبل
التشريع والوحي) ؛ لأن الدليل العقلي الذي يمكن أن تثبت به هذه العصمة لا يأتي في
مسألة آدم وهو أن يكون من اختياره للنبوة معروفا في قومه بمكارم الأخلاق وأحاسن
الأفعال؛ لأن سيئ السيرة ممقوت منبوذ تحفظ مساويه وجرائمه فتحول دول قبول
دعوته وكون هذا لا يجيء في مسألة آدم بديهي لا يحتاج إلى بيان. فإن قيل إن الدليل
يرشد إلى أن فطرة الأنبياء زاكية ونفوسهم عالية فهم ينفرون من المعاصي والجرائم
بوازع نفسي راسخ فيهم - كما علم من إثبات النبوة والوحي - فكيف يقترف آدم تلك
المعصية مع كونه خلق في أحسن تقويم وأكمل صفة؟
والجواب: إن صاحب النفس الزاكية تربأ به نفسه عن تعمد إتيان المنكر
وارتكاب الفاحشة التي يعرف مضرتها وسوء عاقبتها، وآدم لم يتعمد المخالفة بدليل
قوله تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما﴾ (طه:
115) ولم يكن عالما بوجوه مضرتها لتنفر فطرته منها، بل كان يعتقد صدق
الشيطان الذي وسوس إليه بأنها شجرة الخلد وملك لا يبلى فهذا الاعتقاد دفعه عند
نسيان النهي إلى الأكل؛ ليكون مظهرا لهذا النوع الذي هو أبوه، وليعلم من بعده من
ولده غير المعصومين ما يجب على من عصى ربه من التوبة والإنابة إلى
الله تعالى.
على أن في قصة آدم وجها في التأويل، بأنها وردت مورد التمثيل، لإظهار
طبيعة النشأة البشرية في أطوارها التدريجية، فالجنة والعيش الرغد فيها مثل لما
كان عليه النوع البشري في طور السذاجة الأولى، وعصيان آدم وهبوطه هو وزوجه
من الجنة مثل لدخول البشر في طور المخالفات التي تجر عليهم الشقاء والبلاء.
والتوبة والمغفرة مثل لطور الكمال الكسبي والارتقاء العلمي والعملي (سيأتي
إيضاح ذلك في باب التفسير المقتبس من مفتي الديار المصرية) .
***
(م91) قصة داود عليه السلام
ولع بالإسرائيليات بعض الذين اشتغلوا بتفسير القرآن بالمأثور، فألصقوا
بالقرآن ما تلقفوه من أهل الكتاب لأدنى مناسبة، ولولا ذلك لما كنا محتاجين إلى
الجواب عن هذه الشبهة بعد ما قررنا في الدرس الماضي الفرق بين ذنوب الأنبياء
وبين المعاصي الحقيقية التي عصمهم الله تعالى منها.
القرآن مهيمن على الكتب السماوية؛ لأنه ثابت بالتواتر دونها، فما أثبته فهو
الثابت وما نفاه فهو المنفي. وقصة داود مع الخصم ليس فيها بحسب نص القرآن
إلا أن اجتهاد داود اختلف في قضيتين متشابهتين فعرفه الله خطأ الاجتهاد الأول بما
عداه إليه في الثاني؛ لأن خطأ الأنبياء في اجتهادهم لا يقرون عليه كما تقدم في
الدرس الماضي عن البيضاوي. هذا إذا كان لقصة المرأة أصل، وإلا فإن قضية
الخصمين اللذين تحاكما إلى داود عليه السلام ليست نصا في أنه أخطأ في قضية، أو
تزوج امرأة بعد ما عرض زوجها للقتل أو غير ذلك مما يزعمون.
القضية أن أحد الخصمين له تسع وتسعون نعجة وللآخر نعجة واحدة فطلب
الأول أن يضمها إلى نعاجه، وحاج صاحبها في بيان أن ذلك هو الصواب والأولى
فعزه وغلبه في الخطاب والكلام فحكم داود بأن صاحب التسع والتسعين ظالم وأن من
شأن الخلطاء البغي، ولكن ختم النبأ بقوله تعالى: {وظن داوود أنما فتناه فاستغفر
ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} (ص: 24-25) يدل على أن وراء القضية أو فيها هفوة لداود.