القضاء في الإسلام
النبذة الثانية
(ننشر في هذا الباب ما يعرف به المسلمون أصل مدنيتهم
ومنشأ سعادتهم التي ذهبت بتركه)
وجوب نصب القاضي:
(الحديث) [1] قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من
الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) وفي رواية: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا
عليهم أحدهم) استدل العلماء بهذا الحديث على أن نصب الأمير الذي يسوس الناس
والقاضي الذي يحكم بينهم واجب شرعا؛ لأن هذا أولى بالوجوب من تأمير
المسافرين - وإن كانوا أقل الجمع - واحدا منهم عليهم، والعلة ظاهرة والعمل عليها
من أول الإسلام. وفي الحديث إرشاد إلى أن الأمة هي التي تولي الأمراء والحكام
كما تقدم شرحه في باب الأحاديث الواردة في الأمراء من المجلد الرابع.
موانع القضاء أو شروطه:
تقدم في الأحاديث السبعة التي أوردناها في النبذة الأولى ما يدل على أن
الضعيف لا يكون قاضيا وبينا أنواع الضعف، وأن الجاهل لا يكون قاضيا. كما
يؤخذ من حديث قاضي الجنة وقاضيي النار وغيره. وأن الجائر لا يكون قاضيا، وأن
المرأة لا تكون قاضية، وخالف في هذا الشرط الحنفية، ولو كان المخالف من علماء
هذا العصر لحكم بكفره أكثر المسلمين، ورموه بمصانعة الأجانب وتقليد الأوربيين،
وكذلك الصبي لا يكون قاضيا، ونقل بعضهم الإجماع على هذا، ويستدل له بما
استدل به على منع قضاء المرأة، وفي هذه الموانع أحاديث أخرى نورد بعضها [2] :
قال صلى الله عليه وسلم: (استعيذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان)
والقضاء ضرب من الإمارة ولا نعرف في الناس من تولي الصبيان القضاء،
ولكنهم يولونهم الإمارة والسلطنة بالوراثة، وقد قلد المسلمون الأوربيين في هذه
الوارثة.
فأما أولئك فإنهم آمنون من مضرة ولاية الصبي؛ لأن حكوماتهم مقيدة بقوانين،
ووزراء مسؤلين ومنفذين، وإنما الحاكم العام، (كالملك ورئيس الجمهورية)
لأجل الوحدة في مصدر الأحكام، وهو لا يستبد دونهم بنقض ولا إبرام.
وأما بلاد الشرق فلقد تأصل فيها الاستبداد ورسخت عروقه، واعتادت أممها
عليه، وضعفت عن مقاومته، فلو قضت شئون السياسة وتقلب الحوادث على بعضها
بوضع قانون يجعل أحكامها مقيدة بالقوانين التي تغل أيدي الأمراء والسلاطين،
لما وجد من الأمة كافل يضمن تنفيذ القانون ولا استبد الحاكم الأكبر كيف شاء أو
يجد قوة أجنبية تأخذ على يده وتوقفه عند حده.
ولهذا المعنى كانت تولية الصبي الملك خطرا في الشرق، ومثله المرأة. وأما
رأس السبعين في الحديث فقالوا: إنه إنباء بما وقع في عشر السبعين من الفتن،
كقتل سيدنا الحسين عليه السلام والرضوان ووقعة الحرة وغير ذلك.
عن أبي بكرة قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس
ملكوا عليهم بنت كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) [3] والنظر في
هذا الحديث الشريف من وجهين:
أحدهما: كونه خبرا.
وثانيهما: كونه حكما شرعيا؛ لأنه يتضمن بمعناه النهي عن تولية النساء الأمور
العامة كالخلافة والقضاء.
أما الأول فهو مبني على العادة التي كانت متبعة في الشرق بل في العالم كله
وهي أن الأمر والنهي والتصرف السياسي والقضائي بأيدي الملوك والأمراء، ولا
شك أن هذه الوظائف لا يصح أن تسند إلى النساء؛ لأنهن أضعف رأيا لاسيما في
محافل الرجال وما يتعلق بأعمالهم، وأقل جلدا وثباتا وأميل مع الهوى؛ لرقة قلوبهن
وسرعة انفعالهن، ولأنهن إن يشتغلن بذلك يضعفن عن وظيفتهن الطبيعية وهى
تربية الأولاد وتدبير المنزل.
فإذا كان في المرأة استعداد لأن تجاري الرجل وتكون مثله في كل شيء كما
يزعم بعض الأوربيين فهذا الاستعداد لما يتحقق فعلا مع العناية بتربية النساء في أوربا فلا يعترض به على حديث قيل في شأن الفرس من ثلاثة عشر قرنا، ولا
ينبغي السعي في تحقيقه بتربية المرأة كما يتربى الرجل تماما؛ لأن هذا يضر النوع