الإسلام والدولة البريطانية
لهج بعض الجرائد في هذه الأيام بمقالة لكاتب إنكليزي اسمه (مسترد. ج.
كوربت) نشرت في الجزء الخامس من كتاب إنكليزي كبير في الدولة الإنكليزية
ومستعمراتها. عنوان هذه المقالة (الإسلام والدولة البريطانية) وقد أرسلها كاتبها
إلى بعض الجرائد الإسلامية ومنها جريدة المؤيد وطلب منها رأيها فيها، وقد
عربتها جريدة المؤيد ونشرت التعريب في ستة أجزاء فكان له وقع عظيم عند
المسلمين. ونحن نلخص عيون المقالة في أربع مسائل:
(1) إنكلترا أكبر دولة إسلامية، يقول الكاتب في إثبات هذه المسألة: إن
المسلمين الذين تحكمهم الدولة العثمانية ستة عشر مليونا ونيفا بحسب الإحصاء
الرسمي، والذين تحكمهم دولة الصين 32 مليونا، والذين تحكمهم روسيا ستة
ملايين. وهذه الدول الثلاث أكثر الدول تابعا من المسلمين بعد إنكلترا التي تحكم
107076804 مسلمين. وقد بين الكاتب ذلك بالتفصيل في ثلاثة جداول إحصائية.
واستدركت عليه جريدة المؤيد قائلة: إن هذه الجداول مأخوذة من إحصاء 1891
وقد زاد عدد المسلمين في المستعمرات الإنكليزية في العشر الأخير زيادة عظيمة فقد
كان عدد مسلمي الهند في العشر الماضي 57 مليونا وصار عددهم بحسب الإحصاء
الأخير 87 مليونا بل 89 مليونا و125 ألفا. وبالجملة فإن المؤيد قدر عدد
المسلمين الخاضعين للإنكليز 138. 706. 740 وقال: إن هذا المجموع أقل من
الحقيقة بكثير.
(2) معاملة الإنكليز للمسلمين: يقول الكاتب: (إن المسلمين في
المستعمرات الإنكليزية يتمتعون بالحرية الدينية ويرتقون في معارج الحياة
الاجتماعية، ويزدادون بالتدريج ثروة وعلما وأدبا وستكون الهند مصدرا لمدنية آسيا،
ومصر منبعا لحياة ما يجاورها من آسيا وأفريقيا، ثم إنه مع هذا ينسب إلى قومه
الإنكليز التقصير في القيام بمصالح المسلمين ويثبت لهم أن مستقبل بريطانيا
العظمى مرتبط بمستقبل المسلمين، ومصالحهم مقرونة بمصالحهم. ويقول: إن
الإنكليز ارتكبوا هفوات مع المسلمين جهلا وغرورا ونقل عن الدكتور ليتنر الذي
وصفه بأنه حجة ثقة جملة جاء فيها أن الصلة انقطعت بين الإنكليز والمسلمين في
الهند بإبطال محكمتي الصدر الديواني ونظام عدالت.
قال الدكتور: (وإن أحكام محاكمنا (أي الإنكليزية) صارت بعيدة عن
الغرض المقصود لجهل قضاتنا باللغة العربية التي لا يمكن أن يكون لأحد مع
المسلمين نفوذ بدون معرفتها لارتباطها بالشريعة المحمدية ارتباطا لا انفكاك له) .
وينقل الكاتب عن هذا الدكتور أيضا القول بوجوب رد الإنكليز المرتبات والهبات
التي منعت عن المسلمين بغير حق ليستعينوا بها على (التربية الدينية والأدبية
اللازمة للأمة المحمدية) . ويقول: إذا اتبعنا نصيحة الدكتور فإننا نكفر عن سيئاتنا
الإدارية وغلطاتنا السياسية التي وقعت من بعض حكام الهند قديما خصوصا إقفال
أبواب المدارس العليا في وجوه الناشئة الإسلامية وما تبع ذلك من التضييق عليهم
في وظائف الحكومة، ويعترف الكاتب للسيد أحمد خان بأنه كان هو السبب في تقرب
الإنكليز من المسلمين وأنهم خطوا بسعيه خطوات واسعة ويمدح مدرسته التي كانت
مساعدة على هذا التقرب وإزالة سوء التفاهم بين الفريقين. ويوجب على الإنكليز
مساعدة المدارس التي تربي الناشئة على الاستقلال ومحاسن الأخلاق وصفات
الرجولية كمدرسة أحمد خان.
(3) ارتباط مصلحة الإنكليز بالمسلمين، قال: يجب علينا - وراء التكفير
عن سيئاتنا ومساعدة إخواننا المسلمين على الترقي - أن نزيل ما علق بأذهان بعضنا
من سوء فهم الدين الإسلامي فإن نتيجة هذا الجهل جعلهم أعداء لنا. ثم نقل أن
المسلمين دعوا الله تعالى في مساجد الهند بأن ينصر الإنكليز على البربر واستدل
بهذا على إخلاصهم لحكومتهم وعلى وجوب جذبهم إليها لكيلا تصيبهم السموم التي