يتركوا اليأس ويبنوا مجدهم المقبل على (التربية الوطنية) ليخرج منهم رجال
عظام يبدلون ليل الأوطان بالنهار. فهل يريد أنه ليس فيهم الآن رجال وهل يريد أن
يعتمدوا على أنفسهم، لا على عرش الخديوية وقوته الكامنة؟ وهل يمكن أن يعود
إليهم مجدهم بدون أمير كمحمد علي الكبير؟ .
كلا، إنه ذكر التربية الوطنية التي يزعم أنه المنفرد بالحث عليها وأنها
المحيية للبلاد ليفهم الناس أنه هو محيي الوطن بعد محمد علي ولذلك ختم خطبته
بكلمة لم تطبع وهي: إنني خطبت هنا سنة 1896 خطبة كانت من أثرها هذا
الانقلاب الكبير في التربية والتعليم، وسيكون أثر هذه الخطبة أكبر وأعم في تقدم
الوطن العزيز؛ فخرج القوم يضحكون من هذا الغرور.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
مصاب عظيم بوفاة عالم حكيم
في يوم الجمعة 6 ربيع الأول أصيب الشرق بفقد رجل عظيم من رجال
الاصلاح الإسلامي، وعالم عامل من علماء العمران، وحكيم من حكماء الاجتماع
البشري، ألا وهو السائح الشهير، والرحالة الخبير، السيد الشيخ عبد الرحمن
الكواكبي الحلبي مؤلف كتاب (طبائع الاستبداد) وصاحب (سجل جمعية أم القرى)
الملقب فيه بالسيد الفراتي.
اختطفت المنية منا بغتة هذا الصديق الكريم، والولي الحميم، بل هدمت منا
الركن الركين، وقوضت أقوى الدعائم والأساطين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم.
لو كان الرثاء والتأبين من موضوع المنار لرثيته بما يليق بخطبه العظيم،
وما كنت لأستعير المدامع لأستعبر القارئ والسامع، ولا لأستمد الرثاء من خيال
الشعراء، ولا الحزن من فؤاد الخنساء، وإنما أستملي القلب بعض ما يجد من
الكرب، فإنه ما أحزنني خطب كخطبه، ولا أمضني كرب ككربه.
حزني عليه دوره مسلسل ... مهما انتهى إلى النفاد انقلبا
ولكنني أدع الرثاء والتأبين لأفاضل الشعراء المجيدين، وأذكر في المنار ما
يليق بموضوعه من خلاصة سيرة هذا الرجل؛ ليعلم القراء منها كيف ينبت الشرق
الرجال العظام، وكيف تضيعهم الأمم والحكام، ولتكون ذكرى لمن يدكر، وعظة
لمن يعتبر، وأبدأ بترجمة الفقيد الرسمية وهي مطبوعة في ورقتين رسميتين
إحداهما مصدق عليها من والي حلب المشير عثمان نوري باشا ورؤساء حكومة
حلب يومئذ، والثانية مصدق عليها من الوزير رائف باشا والى حلب وهي الأخيرة
وإنما أبدأ بالسيرة الرسمية؛ لأنها من مواد استنباط سيرته الاجتماعية والسياسية
والأدبية وهذا تعريبها ملخصا:
السيرة الرسمية
هو عبد الرحمن أفندي ووالده الشيخ أحمد أفندي من آل الكواكبي ومن
المدرسين في الجامع الأموي الكبير والمدرسة الكواكبية، وآخر وظيفة كان فيها
عضوية مجلس إدارة ولاية حلب. وبيتهم من بيوتات المجد والشرف (خاندان)
المشهورة في الأستانة العلية وحلب. ولد السيد عبد الرحمن أفندي الكواكبي في
23 شوال سنة 1265 وتعلم القراءة والكتابة في المدارس الأهلية الابتدائية، ثم
استحضر له أستاذ مخصوص علمه أصول اللسانين التركي والفارسي. وتلقى
العلوم العربية والشرعية بمدرسة الكواكبية المنسوبة لأسرته، وأخذ الإجازات من
علمائها ودرس فيها. وهو يقرأ ويكتب بالعربية والتركية. وقد وقف على العلوم
الرياضية والطبيعية وبعض الفنون الجديدة بالمطالعة والمراجعة. ومن تأليفه تحرير
الجريدة الرسمية (فرات) بقسميها التركي والعربي في سنة 1292 إلى سنة
1297. ومنه جريدة الشهباء التي أنشأها في حلب سنة 1293 وكان هو المحرر
لها.
خدمته ووظائفه:
دخل في وظائف الدولة رسميا في الثامنة والعشرين من عمره وفي سنة 1293
عين محررا رسميا للجريدة الرسمية بقسميها (كأنه كان في سنة 1292 يحررها
بصفة غير رسمية للاختبار) براتب قدره ثمانمائة قرش. وفي 5 ربيع الأول سنة