16 ربيع الأول - 1321ه
يونيو - 1903م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
باب العقائد من الأمالي الدينية
(الدرس 37)
آية الله الكبرى (القرآن)
نبدأ هذا البحث الجليل بما كتبه القاضي عياض في الشفاء من وجوه الإعجاز
وبعد ذلك نذكر ما هو أقوى منها أو أوضح، قال رحمه الله تعالى:
(فصل في إعجاز القرآن)
اعلم - وفقنا الله وإياك - أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز
كثيرة، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه:
م 105: (أولها) حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته
الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام، قد
خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم. وأوتوا من ذرابة
اللسان ما لم يؤت إنسان. ومن فصل الخطاب ما يفيد الألباب، جعل الله لهم ذلك
طبعا وخلقة وفيهم (غريزة) وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى
كل سبب. فيخطبون بديها في المقامات وشديد الخطب، ويرتجزون به بين الطعن
والضرب، ويمدحون ويقدحون ويتوسلون ويتوصلون ويرفعون ويضعون، فيأتون
من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل. فيخدعون
الألباب، ويذللون الصعاب. ويذهبون الإحن ويهيجون الدمن. ويجرئون الجبان
ويبسطون يد الجعد البنان ويصيرون الناقص كاملا. ويتركون النبيه خاملا. منهم
البدوى ذو اللفظ الجزل والقول الفصل والكلام الفخم، والطبع الجوهري والمنزع
القوى ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة والألفاظ الناصعة والكلمات الجامعة،
والطبع السهل. والتصرف في القول القليل الكلفة الكثير الرونق الرقيق الحاشية.
وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة. والقوة الدامغة والقدح الفالج والمهيع
الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم. قد حووا فنونها.
واستنبطوا عيونها. ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها.
فقالوا في الخطير والمهين. وتفننوا في الغث والسمين، وتقاولوا في القل والكثر.
وتساجلوا في النظم والنثر. فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز {لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت: 42) ، أحكمت آياته
وفصلت كلماته وبهرت بلاغته العقول. وظهرت فصاحته على كل مقول.
وتضافر إيجازه وإعجازه وتظاهرت حقيقته ومجازه. وتبارت في الحسن مطالعه
ومقاطعه وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه. واعتدل مع إيجازه حسن نظمه
وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه. وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا
وأشهر في الخطابة رجالا وأكثر في السجع والشعر سجالا، وأوسع في الغريب
واللغة مقالا، بلغتهم التي بها يتحاورون ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صارخا
بهم في كل حين، ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رؤوس الملأ أجمعين
{أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم
صادقين} (يونس: 38) ، {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة
من مثله ... } (البقرة: 23) إلى قوله: ﴿.. ولن تفعلوا ... ﴾ (البقرة: 24) ،
و ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ... ﴾ (الإسراء:
88) الآية [1] و ﴿قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ (هود: 13) ، وذلك أن
المفترى أسهل، ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب. واللفظ إذا تبع المعنى
الصحيح كان أصعب، ولهذا قيل: فلان يكتب كما يقال له وفلان يكتب كما يريد
وللأول على الثاني فضل وبينهما شأو بعيد.
فلم يزل يقرعهم صلى الله عليه وسلم أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ
ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم ويشتت نظامهم ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح
أرضهم وديارهم وأموالهم [2] وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون
عن مماثلته ويخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والإغراء بالافتراء وقولهم:
﴿ ... إن هذا إلا سحر يؤثر﴾ (المدثر: 24) ، و ﴿سحر مستمر﴾ (القمر:
2) ، و ﴿إفك افتراه﴾ (الفرقان: 4) ، و ﴿أساطير الأولين﴾ (الأنعام: 25)
والمباهتة والرضا بالدنيئة، كقولهم: ﴿قلوبنا غلف﴾ (البقرة: 88) ، و [3] {في
أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} (فصلت: 5) ،
و ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ (فصلت: 26) ، والادعاء مع
العجز بقولهم: ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ (الأنفال: 31) ، وقد قال لهم الله:
﴿ ... ولن تفعلوا﴾ (البقرة: 24) فما فعلوا ولا قدروا. ومن تعاطى ذلك
من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم،
وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس بلاغتهم
بل ولوا عنه مدبرين وأتوا مذعنين من بين مهتد وبين مفتون؛ ولهذا لما سمع الوليد
ابن المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... ﴾ (النحل: 90) الآية قال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق،
وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر. وذكر أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ:
﴿فاصدع بما تؤمر﴾ (الحجر: 94) ؛ فسجد، وقال: سجدت لفصاحته، وسمع
آخر رجلا يقرأ: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا﴾ (يوسف: 80) ؛ فقال:
(أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام) وحكي أن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه كان يوما نائما في المسجد فإذا هو بقائم على رأسه، يتشهد شهادة الحق،
فاستخبره فأعلمه أنه من بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها، وأنه سمع
رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم، فتأملتها، فإذا قد جمع فيها ما
أنزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة وهي قوله: {ومن يطع الله
ورسوله ويخش الله ويتقه} (النور: 52) الآية، وحكى الأصمعي أنه سمع كلام
جارية، فقال لها: قاتلك الله، ما أفصحك! فقالت: أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله
تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ (القصص: 7) الآية [4] ، فجمع
في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته غير مضاف إلى غيره على التحقيق
والصحيح من القولين، وكون القرآن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أتى به
معلوم ضرورة وكونه صلى الله عليه وسلم متحديا به معلوم ضرورة وعجز العرب
عن الإتيان به معلوم ضرورة وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة للعالمين
بالفصاحة ووجوه البلاغة.
وسبيل من ليس في أهلها علم ذلك بعجز المنكرين من أهلها عند
معارضته واعتراف المفترين بإعجاز بلاغته. وأنت إذا تأملت قوله تعالى:
﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (البقرة: 179) ، وقوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا
فوت وأخذوا من مكان قريب} (سبأ: 51) ، وقوله: {ادفع بالتي هي أحسن
فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت: 34) ، وقوله: {وقيل يا
أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} (هود: 44) الآية، وقوله: {فكلا أخذنا بذنبه
فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا000} (العنكبوت: 40) الآية وأشباهها من الآي،
بل أكثر القرآن حققت ما بينه في إيجاز ألفاظها وكثرة معانيها وديباجة عبارتها
وحسن تأليف حروفها وتلاؤم كلمها وأن تحت كل لفظة منها جملا كثيرة وفصولا جمة
وعلوما زواخر ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها وكثرت المقالات في
المستنبطات عنها.
ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون السوالف التي يضعف في
عادة الفصحاء عندها الكلام ويذهب ماء البيان - آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه
ببعض والتئام سرده وتناصف وجوهه كقصة يوسف على طولها. ثم إذا ترددت
قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددها حتى تكاد كل واحدة تنسي في
البيان صاحبتها وتناصف في الحسن وجه مقابلها، ولا نفور للنفوس في ترديدها،
ولا معادة لمعادها.
* * *
فصل
م 106 (الوجه الثاني من إعجازه) صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب
المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليها ووقفت مقاطع
آيه وانتهت فواصل كلماته إليه. ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد
مماثلة شيء منه بل حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله
في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر. ولما سمع كلامه صلى الله
عليه وسلم الوليد بن المغيرة وقرأ عليه القرآن رق فجاءه أبو جهل منكرا عليه قال:
والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا. وفي خبره
الآخر حين جمع قريشا عند حضور المواسم وقال: إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه
رأيا لا يكذب بعضكم بعضا. فقالوا: (نقول كاهن) قال: والله ما هو بكاهن ما هو
بزمزمته ولا سجعه. قالوا: (مجنون) قال: وما هو بمجنون ولا بخنقه ولا
وسوسته. قالوا: (فنقول شاعر) قال: ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر كله رجزه
وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه وما هو بشاعر. قالوا: (فنقول: ساحر)
قال: وما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده. قالوا: (فما نقول؟) قال: وما أنتم بقائلين
في هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل وإن أقرب القول أنه ساحر فإنه سحر
يفرق به بين المرء وابنه [5] والمرء وأخيه والمرء وزوجه والمرء وعشيرته.
فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس فأنزل الله تعالى في الوليد: {ذرني
ومن خلقت وحيدا 000} (المدثر: 11) الآيات.
وقال عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن: (يا قومي قد علمتم أني لم أترك
شيئا إلا وقد علمته وقرأته والله لقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ما هو
بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة) وقال النضر بن الحرث نحوه. وفي حديث إسلام
أبي ذر ووصف أخاه أنيسا فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس لقد ناقض
اثني عشر شاعرا في الجاهلية أنا أحدهم، وأنه انطلق إلى مكة وجاء إلى أبي ذر
بخبر النبي صلى الله عليه وسلم قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن
ساحر، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم
على لسان أحد بعدى [6] أنه شعر وإنه لصادق وإنهم لكاذبون.
والأخبار في هذا صحيحة وكثيرة والإعجاز بكل واحد من النوعين الإيجاز
والبلاغة بذاتهما والأسلوب الغريب بذاته كل واحد منهما نوع إعجاز على التحقيق
لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما؛ إذ كل واحد خارج عن قدرتها مباين
لفصاحتها وكلامها وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين. وذهب بعض
المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب وأتى على ذلك بقول
تمجه الأسماع. وتنفر منه القلوب. والصحيح ما قدمناه والعلم بهذا كله ضرورة
وقطعا. ومن تفنن في علوم البلاغة وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم
يخف عليه ما قلناه.
وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه فأكثرهم يقول: إنه ما جمع
في قوة جزالته ونصاعة ألفاظه وحسن نظمه وإيجازه وبديع تأليفه وأسلوبه لا يصح
أن يكون في مقدور البشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن إقدار الخلق عليها
كإحياء الموتى وقلب العصا وتسبيح الحصا، وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أنه مما
يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ويقدرهم الله عليه، ولكنه لم يكن هذا ولا
يكون، فمنعهم الله هذا وعجزهم عنه. وقال به جماعة من أصحابه. وعلى الطريقين
فعجز العرب عنه ثابت، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر
وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع، وهو أبلغ في التعجيز وأحرى بالتقريع، والاحتجاج
بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم، وهو أبهر آية وأقمع دلالة.
وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال بل صبروا على الجلاء والقتل وتجرعوا
كاسات الصغار والذل. وكانوا من شموخ الأنف وإباء الضيم بحيث لا يؤثرون
ذلك اختيارا ولا يرضونه إلا اضطرارا. وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم والشغل
بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم وهم ممن لهم قدرة
على الكلام وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام وما منهم إلا من جهد جهده واستنفد ما
عنده في إخفاء ظهوره وإطفاء نوره، فما جلوا في ذلك خبيئة من بنات شفاههم ولا
أتوا بنطفة من معين مياههم مع طول الأمد وكثرة العدد وتظاهر الوالد وما ولد، بل
أبلسوا فما نبسوا ومنعوا فانقطعوا، فهذان النوعان من إعجازه.
* * *
فصل
م 107 (الوجه الثالث من الإعجاز) ما انطوى عليه من الأخبار المغيبات
وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد وعلى الوجه الذي أخبر كقوله تعالى {لتدخلن
المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} (الفتح: 27) ، وقوله تعالى: {وهم من بعد
غلبهم سيغلبون} (الروم: 3) وقوله: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ (التوبة: 33)
وقوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ (النور: 55) ، الآية. وقوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ (النصر: 1) ...
إلى آخرها، فكان جميع هذا كما قال، فغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخل
الناس في الإسلام أفواجا، فما مات صلى الله عليه وسلم وفي بلاد العرب كلها
موضع لم يدخله الإسلام واستخلف المؤمنين في الأرض ومكن فيها دينهم وملكهم
إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب كما قال صلى الله عليه وسلم:
(زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي
منها) .
وقوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: 9) فكان
كذلك، لا يكاد يعد من سعى في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة والمعطلة، لا سيما
القرامطة، فأجمعوا كيدهم وحولهم وقوتهم إلى اليوم نيفا على خمس مئة عام فما
قدروا على إطفاء شئ من نوره ولا تغيير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في
حرف من حروفه والحمد لله.
ومنه قوله: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ (القمر: 45) ، وقوله:
﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ (التوبة: 14) الآية. وقوله: {هو الذي
أرسل رسوله بالهدى} (التوبة: 33) الآية، {لن يضروكم إلا أذى وإن
يقاتلوكم..} (آل عمران: 111) الآية فكان كل ذلك.
وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في حلفهم وتقريعهم
بذلك، كقوله: ﴿ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول﴾ (المجادلة: 8) ،
وقوله ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك﴾ (آل عمران: 154) ، الآية.
وقوله: ﴿ومن الذين هادوا سماعون للكذب﴾ (المائدة: 41) الآية وقوله: {من
الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع
وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} (النساء: 46) ، وقد قال مبديا ما قدره
الله واعتقده المؤمنون يوم بدر: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن
غير ذات الشوكة تكون لكم} (الأنفال: 7) ، ومنه قوله تعالى: {إنا كفيناك
المستهزئين} (الحجر: 95) ، ولما نزلت بشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
أصحابه بأن الله كفاه إياهم، وكان المستهزؤن نفرا بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه
فهلكوا. وقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: 67) فكان كذلك على كثرة
من رام ضره وقصد قتله، والأخبار بذلك معروفة صحيحة.
* * *
فصل
م 108 (الوجه الرابع) : ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة
والشرائع الداثرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب
الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه ويأتي به
على نصه، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه. وأن مثله لم ينله بتعليم وقد علموا
أنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة ولم يغب
عنهم. ولا جهل حاله أحد منهم، وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه صلى الله عليه
وسلم عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا كقصص الأنبياء مع
قومهم وخبر موسى والخضر ويوسف وإخوته وأصحاب الكهف وذي القرنين ولقمان
وابنه وأشباه ذلك من الأنباء، وبدء الخلق وما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف
إبراهيم وموسى مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل
أذعنوا لذلك، فمن موفق آمن بما سبق له من خير ومن شقي معاند حاسد. ومع هذا
لم يحك عن واحد من النصارى واليهود على شدة عداوتهم له وحرصهم على
تكذيبه وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم، وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم،
وكثرة سؤالهم له صلى الله عليه وسلم وتعنيهم إياه عن أخبار أنبيائهم وأسرار علومهم،
ومستودعات سيرهم، وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم، ومضمنات كتبهم مثل سؤالهم
عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف وعيسى وحكم الرجم وما حرم إسرائيل
على نفسه وما حرم عليهم من الأنعام ومن طيبات كانت أحلت لهم، فحرمت عليهم
ببغيهم، وقوله: ﴿مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ (الفتح: 29) وغير ذلك
من أمورهم التي نزل فيها القرآن، فأجابهم وعرفهم بما أوحي إليه من ذلك أنه أنكر
ذلك أو كذبه، بل أكثرهم صرح بصحة نبوته وصدق مقالته، واعترف بعناده وحسده
إياه، كأهل نجران وابن صوريا وابني أخطب وغيرهم. ومن باهت في ذلك
بعض المباهتة، وادعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه مخالفة دعي إلى إقامة
حجته، وكشف دعوته، فقيل له: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ (آل عمران: 93) - إلى قوله: (الظالمون) ، فقرع ووبخ، ودعا إلى إحضار
ممكن غير ممتنع، فمن معترف بما جحده، ومتواقح يلقي على فضيحته من كتابة
يده، ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر بخلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحا ولا
سقيما من صحفه، قال الله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم
كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير} (المائدة: 15) (الآيتين) .
(المنار)
بقي لقول القاضي في شفائه بقية تذكر في الدرس التالي.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) تتمتها: [لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا] (الإسراء: 88) .
(2) أي يفعل ذلك بهم بعد ما فعلوا أشد منه به وبمن تبعه، من القتل والنفي والتمثيل، حتى إنه لم يبدأهم بعدوان وإنما كان مدافعا، حتى أظفره الله تعالى.
(3) أي: [وقالوا قلوبنا في أكنة] (فصلت: 5) .
(4) تتمتها: [فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين] (القصص: 7) .
(5) في نسخة: (وأبيه) .
(6) لعل الصواب: (يدعي) .</span></span>