الرحمن الكواكبي في مجموعة تطبع فنرجو من الأدباء الذين رثوه ولم يرسلوا إلينا
مراثيهم أن يرسلوها عن قريب إلى إدارة مجلة المنار بمصر ولهم الثناء والشكر.
(أرجأنا الكلام في مسيح الهند إلى الجزء الآتي)
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
16 جمادى الأولى - 1320ه
20 أغسطس - 1902م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الفيلسوف أبو الوليد محمد بن رشد
قاضي القضاة في الأندلس
هذا الفيلسوف أشهر فلاسفة المسلمين وأكبر أساتذة أوربا في العلم والفلسفة؛
لأن فلسفته انتقلت من الأندلس (أسبانيا) إلى سائر بلاد أوربا فكانت مبدأ نهضة
الأوربيين الحاضرة. ولد سنة 520 في قرطبة، وتوفي سنة 595 في بلاد المغرب.
وقد نشرت مجلة الجامعة الغراء تاريخه وتكلمت عن فلسفته، واستطردت إلى
مسائل أخرى كمذهب المتكلمين في الوجود والمقابلة بين الإسلام والنصرانية في
اضطهاد العلم والفلسفة وعدمه، وقد وقع في تلك الترجمة غلط في هذه المسائل.
والإنسان دائما عرضة للخطأ والغلط فيما تعلمه وأتقنه فكيف يكون حاله فيما لم
يتعلمه بالتلقي عن أهله إذا تكلم أو كتب فيه، وإن صاحب الجامعة الفاضل لم يتعلم
علم الكلام الذي هو فلسفة العقائد الإسلامية لأنه ليس مسلما؛ ولا فلسفة اليونانيين
لأنها قد نسخت بالفلسفة العصرية، فلا شك عندنا أنه لم يتعمد تكفير القاضي ابن رشد
ولا نسبة أئمة المسلمين في العقائد إلى إنكار ارتباط الأسباب بالمسببات، ولكن
بعض الذين قرأوا تلك الترجمة في مجلته أساءوا الظن به واحتموا عليه ورغبوا
إلينا في الرد عليه؛ لأن من وظيفة المنار الدفاع عن العقائد الإسلامية وعن أئمة
المسلمين.
وطلب بعضهم مثل ذلك من بعض أساتذتنا الأعلام، الذين يرجع إليهم إذا
اعتكر من ليل الشبهات الظلام، ولما رأينا ذلك الأستاذ وعد الطالبين بأن يكتب في
بيان حقيقة تلك المسائل التي وقع فيه الخطأ أمسكنا نحن عن الكتابة؛ لأنه هو الأجدر
بالفصل بين الحق والباطل، والذي إذا قال لم يترك مجالا لقائل، وقد تفضل علينا
وعلى الجامعة بما كتب فننشر في هذا الجزء مقالته في فلسفة ابن رشد ومذهب
المتكلمين (وسننشر في الأجزاء التالية مقالاته في الاضطهاد في النصرانية
والإسلام) .
تمهيد لمقالة الأستاذ الحكيم:
لا بد لفهم قراء المنار هذه المقالة من ذكر ما قالته الجامعة في فلسفة ابن رشد لأن
كاتب المقالة لم يذكر فيها إلا مواضع النقد قالت الجامعة:
المادة وخلق العالم
إن أعظم المسائل التي شغلت حكيم قرطبة مسألة أصل الكائنات، وهو يرى
في ذلك رأي أرسطو، فيقول: إن كل فعل يفضي إلى خلق شيء إنما هو عبارة عن
حركة، والحركة تقتضي شيئا لتحركه ويتم فيه بواسطتها فعل الخلق وهذا الشيء هو
رأيه في المادة الأصلية التي صنعت الكائنات منها، ولكن ما هي هذه المادة؟ هي
شيء قابل للانفعال ولا حد له ولا اسم ولا وصف، بل هي ضرب من الافتراض لا
بد منه ولا غنى عنه، وبناء عليه يكون كل جسم أبديا بسبب مادته أي أنه لا يتلاشى
أبدا لأن مادته لا تتلاشى أبدا، وكل أمر يمكن انتقاله من حيز القوة إلى حيز الفعل
لا بد له من هذا الانتقال وإلا حدث فراغ ووقوف في الكون، وعلى ذلك تكون
الحركة مستمرة في العالم ولولا هذه الحركة المستمرة لما حدثت التحولات المتتالية
الواجبة لخلق العالم بل لما حدث شيء قط، وبناء عليه فالعامل الأول الذي هو
مصدر القوة والفعل (أي الخالق سبحانه وتعالى) يكون غير مختار في فعله؛ لأن
الحرية والاختيار يقتضيان كونه محدثا والخالق تنزه عن أن يكون حديثا.
* * *
اتصال الكون بالخالق
(هذا فيما يختص بخلق العالم، وهو مذهب قريب جدا من مذاهب الماديين
كما ترى، ولكن كيف يستولي العامل الأول على الكون ويدبره) .
لابن رشد في ذلك تمثيل يدل على حقيقة مذهبه في هذه المسألة الخطيرة،