16 صفر - 1320ه
24 مايو - 1902م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
القضاء في الإسلام
النبذة الثالثة في آدابه
(ننشر في هذا الباب ما يعرف به المسلمون أصل مدنيتهم
ومنشأ سعادتهم التي ذهبت بتركه)
السكوت عند الغضب
عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (لايقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان) [1] وروي عن غير أبي بكرة
أيضا وهذا أدب عظيم لا بد من مراعاته، فإن الغضب يذهب بالروية والفطنة
ويحكم الهوى فلا يتيسر معه استيفاء النظر والإحاطة بأسباب الحكم العادل , وقد ذهب
بعض العلماء المسلمين إلى أن الحكم في حال الغضب لا ينفذ لثبوت النهي عنه،
والنهي يقتضي الفساد. وقال الأكثرون: إنه صحيح وإن كان إتيانه مكروها وينفذ
إذا وافق الحق؛ لأن النهي الذي يفيد الفساد عند هؤلاء هو ما كان لذات المنهي عنه
أو لجزئه أو لوصفه اللازم له. وفي القاعدة خلاف لا محل للبحث فيه هنا.
***
المساواة بين الخصمين
عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: (قضى رسول الله صلى
الله وعليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم) [2] . وهذا من المساواة التي
جاء بها الإسلام. وقال بعض العلماء: إن هذه الهيئة مشروعة لذاتها لا لمجرد
المساواة.
[3] عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلي الله وعليه وسلم قال له: (يا
علي، إذا جلس إليك الخصمان لا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من
الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء) .
[4] عن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده
ومجلسه، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر) وهذا هو
العدل الأكمل الذي ما بعده غاية. وذكر المسلمين فيه؛ لأن الكلام في دينهم
وشرعهم وحكومتهم وإن كان المتقاضون من غيرهم كذلك؛ إذ لا فرق في حكمهم
العادل بين مسلم وذمي ومعاهد. وما روي عن علي كرم الله وجه أنه جلس بجنب
شريح القاضي في خصومة له مع يهودي أو نصراني وقال لو كان خصمي مسلما
جلست معه بين يديك، ولكني سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول: (لا
تساووهم في المجالس) فقد قال المحدثون: إنه منكر وأورده ابن الجوزي في العلل
وقال: لا يصح، تفرد به أبو سمية هذا ما قالوه في رواية أن الخصم كان يهوديا.
ورواية البيهقي التي ذكر فيها أن الخصم كان نصرانيا في إسناده عمرو بن سمرة
عن جابر الجعفي وهما ضعيفان. وقال ابن الصلاح: لم أجد له إسنادا، فهو منكر
وباطل ومضطرب، والعلة في سنده ومتنه معا، وكان مروجه من الجهلاء الذين
يرون تعظيم شأن المسلمين بظلم غيرهم، ولو كانوا كذلك لما قامت لهم دولة.
ومما تجب ملاحظته هنا أن ملوك عصرنا وأمراءه لو فعلوا مثل ذلك ورضي
أحدهم بأن يخضع للقضاء ويتحاكم مع بعض رعيته الموافقين أو المخالفين في الدين
وجلس مع ذلك بجنب القاضي أو على رأسه لوصف بأنه أعدل العادلين، وفضل
على الخلفاء الراشدين، وإنهم ليصفونهم بالعدل وينتحلون لهم ما شاء الهوى من
الفضل، على حين أنهم رفعوا أنفسهم فوق الشريعة الإلهية، بل نسخوا أكثر
أحكامها بقوانينهم الوضعية، فلا يمكن أن يتحاكم سلطان أو أمير مع كبير من
رعيته ولا صغير، فأضاعوا بكبريائهم الدين وإلى الله المصير.
[6] عن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنه أنه كان ليهودي عليه أربعة دراهم
فاستعدى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن لي على هذا أربعة
دراهم، وقد غلبني عليها. فقال: أعطه حقه. قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر
عليها قال: أعطه حقه قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها قد أخبرته أنك
تبعثنا إلى خيبر فأرجو أن تغنمنا شيئا فأرجع فأقضيه قال: أعطه حقه.
قال (الراوي) : وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال ثلاثا لا يراجع فخرج به