الأخبار والآراء
(الوباء والعدوى والوقاية)
ظهرت الهيضة الوبائية في بلدة موشة التابعة لمديرية أسيوط وانتقلت إلى
القاهرة ثم ظهرت في عدة بلاد، وقد اعتنت الحكومة بالوقاية منها، واهتم رجال
الصحة بمنع انتشارها بقدر الإمكان، ولا أظن أن العناية في غير القاهرة مثلها فيها
وإن كان متيسرا، على أن حفظ الماء من القذارة في الأرياف عسر جدا وإلزام الناس
بالنظافة هناك أعسر، ومما يزيد الوباء فتكا عدم مساعدة الأهالي للحكومة فيما
تفعله لوقايتهم؛ لأنهم لجهلهم يتوهمون أن الحكومة تسعى في إهلاكهم وتريد إهانتهم
وضررهم حتى أن الأكثرين يعتقدون أن أطباء الحكومة يسفون المصابين الأدوية
السامة ليميتوهم، ولا شك أن هذا الوهم فاسد، وأن الحكومة خير لهم في هذه الحال
من أهليهم ومن أنفسهم لأنها تجتهد في وقايتهم قبل أن يصابوا وفي معالجتهم بعد ذلك
بعلم ومعرفة وإنما تخدمهم برجالهم وتنفق عليهم أموالهم المحفوظة عندها.
ونحن لا ننتقد على الحكومة إلا عدم الاعتناء بالتنظيف حيث يسكن الوطنيون
كاعتنائها به حيث يسكن الأجانب، فقد استغاثت الجرائد بمصلحة الصحة طالبة
تنظيف بعض الجهات القذرة التي اتخذها الناس مناصع (والمناصع هي المواضع
يتخلى فيها للبول والغائط) كشارع الخليج من جهة باب الخلق، فكان الواجب على
الحكومة أن تأمر بمنع التخلي هناك وفي أي شارع لئلا يتخلى فيه مصاب فيحمل
الذباب جراثيم الداء من برازه إلى البيوت المجاورة، وشيء آخر لا يزال منتقدا من
رجال الصحة وهو معاملة الناس بالغلظة والخشونة عند أداء وظائفهم وهم يعلمون
أن الناس معذورون بالجهل ولعل هذه المعاملة لطفت بعد أمر جناب مستشار
الداخلية بالتلطف في المعاملة.
ومن أسباب انتشار الوباء جهل الأهلين بصحة العدوى، وهي ثابتة شرعا
وعلما واختبارا بالمشاهدة، وأما العدوى المنفية بالحديث فهي ما كان يعتقد في
الجاهلية من حصول ذلك بطبعه من غير قدرة الله تعالى وفي روايات الحديث ما
يدل على ذلك.
أخرج أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة: (لا عدوى ولا طيرة ولا
هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد) فبعد أن نفى ما كانت تعتقده
الجاهلية أمر بالفرار من المجذوم، وصرح الحافظ ابن حجر وغيره من شراح
البخاري في حديث المجذوم بأن العلماء المحققين لا سيما الشافعية قالوا بإثبات
العدوى على أنها سبب من الأسباب العادية التي قام بها نظام الكون.
وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: (لا عدوى ولا هامة ولا صفر،
ولا يحل الممرض على المصح وليحل المصح حيث شاء قيل: ولم ذاك يا رسول
الله، قال: لأنه أذى) وهذا أصرح من الأول في إثبات سببية العدوى، وأخرج
أحمد والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف والنسائي عن
الأول وأبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا
سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها)
فهذا الحديث الصحيح أصل في الحجر على المصابين أن يخرجوا فيخالطوا الناس
الأصحاء فتنتقل إليهم بذلك العدوى، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ومن أسباب انتشار الوباء الجهل بمداراة الصحة والوقاية من الأمراض،
ولو كان الناس يعملون بالآداب الشرعية لكان لهم فيها غناء فإن أهم أركان الصحة
النظافة وقد اشترط في تطهير الأشياء وتنظيفها عند الشافعية وأكثر أهل هذا القطر
منهم أن يكون الماء الطاهر واردا على الشيء الذي يراد تطهيره لا مورودا، وهذا
الشرط موافق للصحة، فإن الثوب أو العضو المتنجس إذا ورد على الماء ينتشر في
الماء ميكروب المرض وإذا ورد الماء عليه يزيل النجاسة وما فيها من الميكروبات،
ولا يجوز وضع النجاسة في الماء ولا اليد المتنجسة على تفصيل في ذلك. ومما لا
خلاف فيه بين المسلمين أن كل ما علم ضرره بالاختبار أو بقول الطبيب الموثوق به