مجلة المنار بمصر ومن المكاتب المشهورة.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
16 رمضان - 1320ه
16 ديسمبر - 1902م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
مسير الأنام.. ومصير الإسلام
كتب الباحثون من أهل أوربا مقالات كثيرة في مستقبل الإسلام في القرن
العشرين فخاضوا فيه من الجهة الدينية والاجتماعية والجهة السياسية حتى ضربوا في
كل فج، وهاموا في كل واد، فمن زعم أن المسلمين سائرون إلى العدم والانقراض؛
لأنهم أعداء المدنية الحديثة القائم بناؤها على سنن الكون ونواميسه التي لا تتبدل
ولا تتحول فهم بذلك أعداء الوجود ومن عادى الوجود فالعدم أولى به ومن قائل إن
هذه الأمة الكبيرة لا تنقرض كما انقرض هنود أمريكا لأنهم أرقى منهم بما سبق لهم
من المدنية، ولكن يزول سلطانهم فلا تبقى لهم حكومة فتخطفهم الأمم القوية
ويعيشون أذلاء مستضعفين، إلى أبد الآبدين، ومن ذاهب إلى أنهم سينهضون ومن
بعد غلبهم سيغلبون، واختلف هذا الفريق في هذه النهضة كيف تكون وأين توجد؟ .
فظن بعضهم أن ستكون بالأخذ بمدنية أوربا وتنشأ في الهند وفارس والأستانة
ومصر ورجح بعض أنها تكون بالعصبية الدينية والقوة الحربية وتنشأ في أفريقيا أو
الصين. وغفل كل من المختلفين عن منبتين آخرين لمجد الإسلام المستقبل وهما
أوربا وأمريكا إذا أسرع بهما العلم ونظام الاجتماع إلى الإسلام، الذي لا بد أن
تنتهي تلك الأمم إليه في يوم من الأيام، أو جزيرة العرب إذا أبطأ بهما سير العرفان
وسنن العمران، فظلت أوربا تطارد المسلمين وتضطهدهم حتى يأرز الإسلام
برجالاته المحنكين إلى جزيرة العرب كما تأرز الحية إلى جحرها، ومن ثم ينفثون
سموم التعصب في الشرق كله فما ينظر الأوربيون فيه إلا صيحة واحدة فإذا هم
خامدون.
أراني عجلت برأي قبل التمهيد له وذكرت نتيجة لمقدمات مطوية ودلائل
خفية، فلا غرو أن ينكرها علي المسلمون قبل أن يعرفها الأوربيون إلا من بعد
نظره، وغاص في أعماق المسألة فكره، فلنترك المنكر في إنكاره، ولنساير
المتفكر في أفكاره باحثين معه في مسير الأنام ومستقبل الإسلام.
أين تذهب الأمم المتقدمة دائما إلى الأمام، وإلى أي غاية ينتهي سير هؤلاء
الأقوام، وهل تزداد الشعوب المتقدمة تقدما، وتزداد الشعوب المتخلفة تخلفا،
وتزداد الأمم الحية حياة والمائتة موتا، حتى تكون الثانية غذاء للأولى كما قال
اللورد سالسبوري سياسي إنكلترا الكبير.
هل تبقى هذه المدنية الأوربية مادية حيوانية تبيح الفحشاء والمنكر، وهل
يجرف سيلها ما في بلاد الإسلام من بقايا العفة والصيانة والتراحم والتواصل حتى
لا يبقى للمسلمين - وقد أخلقت فيهم أخلاق العمران - من الصفات ما يستحقون به
رحمة الله تعالى فيكونوا من الهالكين؟
هل تظل أوربا تواثب الدين كلما قلت حاجة السياسة إليه، وعدت العلوم
الكونية عليه، وهل يكون حظ الإسلام عند المتعلمين الآتين كحظ النصرانية عند
المتعلمين الحاضرين والغابرين، يتسللون منه لواذا، ويمرقون منه زرافات
وأفذاذا؟
هل تنبت المدنية العصرية في أرض الإسلام كما نبتت في المغرب وتنمو كما
نمت وتثمر كما أثمرت سواء بسواء فيرجع المسلم القهقرى إلى القرن السادس
عشر الميلادي فيبتدئ منه؟ أم يكون أول سيره من نهاية القرن التاسع عشر
فتكون مدنيته أسرع وأعجل، ومعارفه أتم وأكمل؟
إذا أراد الناظر أن يستنبط الجواب من سيرة المسلمين الذين ولوا وجوههم
شطر المدنية، ولقفوا هذا اللماج من العلوم الأوربية، لا يسعه إلا أن يقول: إن
حال هذه المدنية ستكون - أو هي كائنة منذ اليوم - دون حال الأوربيين وأنهم
سينبذون الإسلام بأسرع مما نبذ أولئك النصرانية؛ لأن لرؤساء الدين في النصرانية
دولة لها في كل فرقة رئيس عام، وموظفون يسيرون بقانون ونظام، وهم مستقلون