(لها بقية)
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
غرة رجب - 1320ه
3 أكتوبر - 1902م
الكاتب: محمد عبده
-----------------
<span class="footnote">
الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية
وهو المقال الثالث لذلك الإمام الحكيم والأستاذ العليم
نتائج هذه الأصول وآثارها في المسلمين
إلام أفضت طبيعة الإسلام بالمسلمين؟ وماذا كان أثرها في أسلافهم الأولين؟
فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر واستولى بجيشه على الإسكندرية بعد
لحاق النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بالرفيق الأعلى بست سنوات، في
رواية وتسع سنوات، في رواية أخرى والإسلام في طلوع فجره، وتفتح نوره، فكان
من بقايا ما تركت الأزمان الأولى: رجل مسيحي من اليعقوبيين اسمه يوحنا النحوي
كان في بدء أمره ملاحا يعبر الناس بسفينته، وكان يميل إلى العلم بطبيعته فإذا ركب
معه بعض أهل العلم أصغى إلى مذاكرتهم.
اشتد به الشوق فترك الملاحة واشتغل بالعلم وهو ابن أربعين سنة فبلغ فيه ما
لم يبلغه الناشئون فيه من طفوليتهم وقد أحسن من العلم فنونا كثيرة حتى عد من فلاسفة
وقته وأطبائه ومناطقته.
يقول كثير من مؤرخي الغربييين ومؤرخي المسلمين: إن عمرو بن العاص
سمع به فاستدناه منه وأكرمه لعلمه ووقعت بينهما محبة ظهر أمرها واشتهر حتى قال
أحد فلاسفة الغربيين: (إن المحبة التي نشأت بين عمرو بن العاص فاتح مصر
ويوحنا النحوي ترينا مبلغ ما يسمو إليه العقل العربي من الأفكار الحرة والرأي
العالي. بمجرد ما أعتق من الوثنية الجاهلية ودخل في التوحيد المحمدي أصبح على
غاية من الاستعداد للجولان في ميادين العلوم الفلسفية والأدبية من كل نوع) .
خالط المسلمون أهل فارس وسوريا وسواد العراق وأدخلوهم في أعمالهم ولم
يمنعهم الدين عن استعمالهم حتى كانت دفاترهم بالرومية في سوريا ولم تغير
بالعربية إلا بعد عشرات من السنين فاحتكت الأفكار بالأفكار، وأفضت سماحة الدين
إلى أن أخذ المسلمون في دراسة العلوم والفنون والصنائع.
* * *
(اشتغال المسلمين بالعلوم الأدبية ثم العقلية)
وبعد عشرين سنة من وفاته عليه الصلاة والسلام أخذ الخليفة علي بن أبي
طالب - كرم الله وجهه - يحض على تعليم الآداب العربية ويطلب وضع القواعد لها
لما رأى من حاجة الناس إلى ذلك، وأخذ المسلمون يتحسسون نور العلم في ظلام تلك
الفتن استرسالا مع ما يدعوهم إليه دينهم وتنبههم لطلبه شريعتهم. وإن كانت
الحروب الداخلية التي اشتعلت نارها في أطراف بلادهم للنزاع في أمر الخلافة قد
شغلتهم عن كل شيء من مصالحهم فإنها لم تشغلهم عن تلمس العلوم والتناول منها
بالتدريج على سنة الفطرة. فالبراعة في الآداب من علم بوقائع العرب وتاريخهم
وقول الشعر وإنشاء البليغ من النثر قد بلغت في خلافة بني أمية مبلغا لم تبلغه أمة قط
في مثل مدتها، وكان الخلفاء الأمويون يعلون منزلتها ويرفعون مكانات الشعراء
والخطباء والعلماء بالسير، ثم ظهرت آثار العلوم العقلية في آخر دولتهم وترجمت
جملة من الكتب العقلية والصناعية قبل نهاية القرن الأول.
نقل الخلفاء الأمويون دار الخلافة من المدينة إلى الشام، ولم يسيروا في الزهد
سيرة الخلفاء الراشدين فقد جاء رسول من الفرس إلى عمر بن الخطاب - رضي
الله عنه - فلما سأل عنه دل عليه فذهب إليه فإذا هو نائم على الأرض تحت نخل
البقيع بين الفقراء وجاءت رسل الملوك إلى معاوية - رحمه الله - فإذا هو في قصر
مشيد محلى البنيان بأجمل ما يكون من الصنعة العربية، مزين بالجنات والرياض
وينابيع الماء، مفروش بأحسن الفرش يرى الناظر فيه أفخر الأثاث والرياش. ولم
يكن معاوية في ذلك قد خالف الدين أو حاد عن طريقه وإنما تناول مباحا وتمتع
برخصة آتاه الله إياها ولا يخفى ما في ذلك من ترويج فنون الإبداع في الصنعة على