تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16 شعبان - 1320ه

17 نوفمبر - 1902م

الكاتب: محمد توفيق البكري

-----------------

<span class="footnote">

المستقبل للإسلام

بقلم صاحب السماحة السيد الشيخ محمد توفيق البكري

شيخ مشايخ الصوفية [1]

(الفصل الأول في رأس مال الإسلام)

(المكان والسكان)

إن مستقبل الأمم يتوقف في الحقيقة على أمرين طبيعيين هما كثرة السكان

وخصب المكان، فإذا استوفت الأمة حظها من هذين الأمرين عظم مستقبلها بقدر ذلك

مهما حرمت في الحال من الأسباب الأخرى الكسبية كالعلم والأخلاق والقوانين

والحكومة وغير ذلك، فإن هذه جميعها يأتي بها دور الزمان وإن أخرتها آونة طوارق

الحدثان، ولذلك قال (مونتورو) و (تين) وغيرهما: إن مستقبل الصين أكبر

من مستقبل أية دولة أخرى، ومن شاهد رقي اليابان وما كانت عليه الروسيا منذ ثلاثة

قرون، وما هي عليه الآن من ضخامة السلطان لا يشك في صواب ذلك القول

المتقدم. وقد أشار ابن خلدون إلى شيء من هذا حيث قال: إن اتساع نطاق الدولة

يكون بقدر اتساع عصبيتها في الأصل. وقال الشاعر: (وإنما العزة للكاثر) . فإذا

تقرر ذلك علمنا أن مستقبل الإسلام كبير، وشأنه خطير. فإن حظه من هذين

الأمرين وافر، وقسطه متكاثر، وإليك البيان.

إذا تأمل المسلم في مصور الجغرافية يجد ثلاثة عوالم قد تقسمت الأرض وهي:

العالم الإسلامي في الوسط، والعالم المسيحي عن يساره، والعالم الوثني عن يمينه

على هيئة قلب وجناحين. ويرى أن قسط العالم الإسلامي من هذا الاقتسام عظيم،

ونصيبه جسيم، فهو يمتد في فسحة من الأرض بدؤها بحر الأطلنطيق، ونهايتها

رسيف الباسيفيك آخذة من حواشي سيبريا شمالا إلى جزر المحيط جنوبا، أقاليم

متصلة، وأقطار غير منفصلة، وأمصار متتاخمة، وأخياف متلاحمة، وبين ذلك

قصور وخيام، ودور وآطام، ووبر ومدر، وبدو وحضر، بقاع هي أطيب

المعمور رقعة، وأمرعه نجعة، فيها النيل والفرات، وسيحون وجيحون، فيها

أوداء مصر، وسهول الهند وميطان الصين وسواد العراقين، وبطاح الأناضول

وجبالها، وريف فارس ورمالها، فيها مرقد النبي العربي الهاشمي، ووطن المسيح

ابن مريم، ومبعث موسى الكليم، ومهبط الوحي على جميع الأنبياء عليهم الصلاة

والسلام، إلى غير ذلك من هواء طلق، وماء عذب، وجو صحو، حسنات وراء

حسنات، تقصر دونها الأمصار، وتموت حسرة عليها الأقطار، ذهب بعض

مجوس الهند إلى لوندرة فقال له بعض أهلها: كيف أنتم تعبدون الشمس. فقال

المجوس: وأنتم لو رأيتموها لعبدتموها.

ثم إن هذه السعة في الأرض والبسطة في الخصب التي رزقها العالم الإسلامي

أصل كبير في نمو أفراده وحسن حالهم إذ ارتباط المكان بالمكين في السعادة والشقاء

والقلة والكثرة أمر مقرر في علم الاجتماع الإنساني.

قال (لوبون) : ما دامت الأرض القابلة للزراعة كافية للسكان يتأتى لهؤلاء أن

يزيدوا عدا فيكثرون وينمون بالفعل فإن تعادلت موارد الأرض وعدد السكان بقي

هؤلاء على حالتهم لا يزيدون ولا ينقصون، فإن زاد عديدهم عن موارد الأرض وقعوا

في إفرة الشدائد والضيق وتواترت عليهم المصائب والأزمات إلى أن تأتي حروب

جارفة أو أوبئة قاشرة فتعدل الكفتين. هذه حقائق بسيطة ومع ذلك قد تغيب من أفهام

كبار الخواص وأشهر الكتاب فلا يفتأون يطلبون كل يوم زيادة السكان بأية وسيلة كانت

بلا مراعاة لما تقدم وقد وقع في مثل هذا الخطأ (جول سيمون) وزير معارف فرنسا

السابق على سعة علمه حيث قال في خطاب ألقاه على مجمع المعارف سنة 1868:

(إن من يمكنه أن يزيد سكان) فرنسا مليونا من النفوس يفيدها أكثر ممن يزيد

حدودها بعض فراسخ من الأرض بواسطة الحرب والدم بألف ضعف، وهذا كلام

يخلو من الصواب؛ لأن من يزيد مساحة فرنسا يكثر مواردها فيجعل الزيادة في

السكان محتمة. ومن شك في هذه الحقيقة أحلناه على قول أستاذ لا يشق له غبار في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٠٥