تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المالية التي أصبحت لا تحصل إلا بالعلوم والفنون العالية، وهذه لا تحصل إلا بالمال

الطائل فوقعنا في مشكل الدور، وعسى أن نهتدي لفكه سبيلا وإلا فيحيق بنا ناموس

فناء الضعيف في القوي وفناء الجاهل في العالم.

ومن أعظم أسباب فقر الأمة أن شريعتنا مبنية على أن في أموال الأغنياء حقا

معلوما للبائس والمحروم فيؤخذ من الأغنياء ويوزع على الفقراء، وهذه الحكومات

الإسلامية قد قلبت الموضوع فصارت تجبي الأموال من الفقراء والمساكين وتبذلها

للأغنياء وتحابي بها المسرفين والسفهاء.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: عبد العزيز محمد

-----------------

<span class="footnote">

الكتاب الثالث من

أميل القرن التاسع عشر

في اليافع [*]

شذرات مقتطفة من جريدة أراسم. تحريرا بمرازيون في سنة -185

الداخلة في سنة - 186

الشذرة الأولى

حب الزوجة والولد والوطن

منذ سنة تغيرت شئون حياتي كلها ولقد وجدتها هي بعينها [1] ولما تلاقينا كنا

كأننا لم نفترق في حياتنا فإن النوى لم تغير شيئا من ضروب وجداننا ولا من عاداتنا

لبقاء قلبينا على ما كانا عليه من الارتباط والاتحاد، وغاية ما حدث أني أراني

الآن آنس مني في جميع أيامي السالفة بحسن معاشرتها وجمال معاملتها. نعم إنها

لم تبق طفلة كما عهدتها ولكنها لم تأخذ من مرور الأعوام وكرور الأيام إلا ما يزيد

المرأة في القلوب محبة وفي النفوس تأثيرا، فكأن روحها وملامح وجهها تكملت

وتطهرت بأدائها فروض الأمومة المقدسة.

كنت أوشكت أن أقنط من معرفتي لولدي، ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا

المقام أن الذين هم أكثر الناس اشتغالا بالتربية لم يرزقوا أولادا أو رزقوهم وحرموا

من رؤيتهم، وربما كان هذا هو الباعث لهم على الاهتمام بالتربية وجعل البحث في

شئونها غايتهم ليؤدوا بذلك ما فرضه الله عليهم منها بنوع آخر من الأداء.

فليت شعري بماذا استحققت أن أكون أسعد من هؤلاء مع كونهم أجدر مني

بالسعادة؟.

ما أشدني حنوا وتأثرا عند تقبيل ولدي إياي، وما أعظم زهوي وإعجابي به

عندما آخذ بيده أتنزه معه في المزارع، وإن الدنيا لترى في عيني جديدة وهو معي

كأن لم أرها منذ سبع سنين. ولا جرم أن الإنسان لا يبصر وهو رهين السجن

محروم من الحرية فكل ما كنت أراه من أشجار وصخور عمرت عمر الدنيا القديمة

كأن يخيل إلي أنه لم يخلق إلا بالأمس.

خطر في ذهني ساعة خاطر العود إلى فرنسا ولكن ألف مانع، وإن شئت فقل

ألف وهم قد تحول بين المرء وبين معيشته في وطنه، وما أدراك أن من هذه الموانع

ما يعتريني من الألم الممض الذي لا أستطيع التعبير عنه إذا رأيت أمة عظيمة

عهدتها حرة قد أصبحت في قبضة حاكم وجميع ما يحصل في هذا الوطن لا يقل عن

ذلك إيلاما للقلب ولا إزهاقا للنفس.

يوجد في جميع عصور التاريخ رجال بررة صالحون رأوا من الواجب عليهم

لأنفسهم ولأوطانهم أن يخدموا هذه الأوطان وهم بمعزل عنها، فمثل هؤلاء هم فيما

أرى أشد حبا لها؛ لأنهم سواء قربوا منها أم بعدوا عنها يحيون بنفحاتها وينتشعون

بمجاهداتها في سبيل الخير وبما لها من الآمال في الوصول إليه. جرحهم في صميم

أفئدتهم ما مس أمتهم من القروح، وإن كان يبدو من حال الأمة عدم شعورها بألمها

كأن في مرور الزمن عليها والاعتياد على احتمالها من قوة التأثير ما يكفي لاندمالها

جميعا. مثل هؤلاء المتطوعين بالاغتراب والنفي يلومون الناس وحوادث الدهر

ولكن إذا حاول مجادل أمامهم أن ينقص من كرامة فرنسا ويحط من شأنها استشاطوا

غضبا وتليغ الدم في عروقهم. ذلك أن هذه القطعة من الأرض التي تنازلوا عن

سكناها مختارين قد تغلغل حبها في أحشائهم وأخذ بمجامع قلوبهم، فتراهم يبذلون

الوطن نفسه في إعزاز شأن المعنى الذي قام في أذهانهم ويفضلون الحكم على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٧٢