تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المجلد رقم (6)

غرة المحرم - 1321ه

30 مارس - 1903م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

فاتحة السنة السادسة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين،

وإمام الهداة والمصلحين، وعلى آله وصحبه الراشدين المهديين، وعلى من تبعهم

بهديهم إلى يوم الدين.

وبعد:

فقد بلغ المنار - بفضل الله وتوفيقه - السنة السادسة وهذا أول جزء منها،

ولله مزيد الشكر والثناء أن أعطانا فوق ما تعلق به الأمل والرجاء، وزادنا على ما

كنا نتوقع من زيادة القراء والمشتركين، عددا صالحا يدخل في عقود المئين، من

غير دعاة مندوبين، ولا وكلاء مستخدمين؛ إلا ترغيب أهل الغيرة الملية، وتنبيه

ذوي الأريحية الإسلامية، صادفا من قلوب إخواننا المسلمين شعورا ينمو، ووجدانا

يسمو، وعلما بالحاجة الشديدة إلى توثيق الرابطة الدينية، وإحكام عقدة العقائد

الإسلامية، والجمع بين مجاورة الأمم المعاصرة، وحفظ ما فيه حياة الدار الآخرة،

من العقائد الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال النافعة، وهذا ما أنشئ المنار

للدعوة إليه، وهو عين ما يدعو إليه الإسلام، ما زدنا فيه ولا نقصنا منه، وإنما

نتوخى بيانه، ونقيم برهانه، بما يناسب حال الزمان، وما انتهى إليه رقي

الإنسان.

لقد أتى على المسلمين حين من الدهر وهم في مرض اجتماعي يشبه داء

السكتة، تعيث في جامعتهم جراثيم المرض وهم لا يشعرون، وتهددهم بالفناء

والزوال ولا يعلمون، حتى إذا فار التنور، وجاء القدر المقدور، تخرق حجاب

الغرور، وطفق يدب دبيب الشعور؛ ولكنه شعور يظهر أنه زاد الأمة مرضا،

حتى كادت تكون حرضا، شعور هبط ببعض ذويه في مهاوي الإياس، وطوح

ببعضهم إلى موامي الوسواس؛ فكان انتقالا من طور الخدر والسبات، إلى طور

الحيرة والشتات، ولحيرة في الفكر وشتات في الأمر خير من خدر الحواس،

وفقد الإحساس؛ لأن هذا من أمارات العدم والزوال، وذاك من علامات الحياة على

كل حال.

ذهب أقوام في هذه الحيرة إلى أن وقاية المسلمين من الخطر إنما تكون

بالاعتماد على الأمراء والسلاطين، والاستماتة في الخضوع لهم وتقديس سلطتهم؛

ولأن الخطر إنما ينذرنا من الجانب الغربي جانب القوة القاهرة، والمدنية الساحرة

وملوكنا - وإن جاروا - هم القابضون على بقايا ما عندنا من القوة التي نكافح بها

تلك القوى، فلا بد من تعزيزهم وتعزيرهم، وإجلالهم وتوقيرهم؛ بل لا بد لنا من

تنزيههم وتقديسهم بكرة وأصيلا!

وذهب آخرون إلى أن الملوك والأمراء قد استبدوا بسياسة الأمة بدون

مشاورتها قرونا طويلة فما كان منهم إلا أن أوقعوها في هذا الضعف والهوان،

والفقر والخذلان، والجهل بأمر الدنيا والدين؛ لأجل الخضوع الأعمى لهم وإن

كانوا ظالمين، وإذا كانوا هم مصدر الشرور والفتن , ومثار البلايا والمحن، فأول

واجب على الأمة مقاومة استبدادهم، ومقاومة استعبادهم، وإلزامهم بالمشاورة في

الأمر، وتقييد السلطة في الحكم، وإعلامهم بأنهم أجراء الرعية، كما قال أبو العلاء

حكيم الشعراء:

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... فعدوا مصالحها وهم أجراؤها

وبذلك يصلح الحال، وتتحقق الآمال، ونثق من حسن الاستقبال، وأما دوام

الاستماتة في الخضوع للمستبدين فإنه يردينا في أسفل سافلين، فهم الذين يجهزون

على ما أبقى أسلافهم من قوى الأمة الحسية والمعنوية، وهم الذين يسلمون بقية

بلادها للدول الأجنبية، إلا أن الفريق الأول أكثر عددا، وأغزر مددا، والفريق

الثاني أكثر علما، وأبعد فهما، ولكل منهما صحف منشرة، وجرائد محررة؛ ولكن

جرائد حزب القوة أعز أنصارا، وأكثر دينارا والنجاح من حجج القوة على الضعف

وما كل ناجح محق، وما كل خائب مظلوم.

وقد فات حزب المحافظين أنهم يطلبون بناء ما كان على ما كان. فإذا طلب

أحدهم إصلاحا فإنما يطلبه في فرع من الفروع، ولا إصلاح إلا بصلاح الأصول.

(متى يستقيم الظل والعود أعوج؟ !) .

وفات حزب المعارضين أنهم لا يدرون من يطالبون، ولو دروا لعلموا أنهم

يلغون ويعبثون، فإنه لا يقوم الحكام إلا الأمة المتعلمة المهذبة، فالسعي في تكوين

أمة عالمة مهذبة هو الواجب الأول على الذين شعروا بمصاب المسلمين وأبصروا

من وراء الحجاب ما كمن لهم من الغوائل والرزايا.

ولا طريق لهذا التكوين إلا التربية الملية الصحيحة والتعليم العام، ولا يكمل

هذا إلا في المدارس الكلية كما سبق لنا القول.

هذا رأي لا يختلف فيه أهل البصيرة من عقلاء المسلمين؛ ولكن هؤلاء لم

يبلغوا أن تكون لهم صحف تنشر، وجرائد تدعو - على أن كل الصحف عون لهم -

حتى إذا ما أنشئ المنار كان هو صحيفتهم؛ لأنه لم ينشأ لمقاومة سلطة ولا

حكومة ولا لمدح سلطان أو أمير ولا لذمهما وإنما أنشئ لمساعدة العقلاء على السعي

في (تكوين الأمة) من طريق التربية الملية والتعليم النافع؛ ولذلك قلنا في مقدمة

العدد الأول: إن الغرض الأول من المنار الحث على التربية والتعليم، لا الحط على

الأمراء والسلاطين.. إلخ. وقلنا في أواخر مقالة نشرت في العدد 16 من السنة

الأولى عنوانها (إلى تربية وتعليم نحن أحوج) - بعد كلام في تعلم الفنون

العصرية بصبغة أوربية - ما نصه:

(فيجب على العلماء والكتاب الشرقيين أن يوجهوا عنايتهم الكبرى إلى هذا

الأمر - تكوين الأمة -، ويجتهدوا فيه قولا وعملا، ويجب على مؤسسي المكاتب

والمدارس الوطنية ومعلميها وأساتذتها أن يجعلوه نصب أعينهم وأهم ما تدور عليه

تعاليمهم بحيث يغرسون في قلب كل تلميذ أن حياته كلها لأمته وبلاده وأن علمه

وعمله لا شرف له فيهما إلا إذا صرفهما لمنفعة الأمة والبلاد..) إلخ.

في طريق هذه التربية وهذا التعليم عقبة في طريق المسلمين يتعسر اقتحامها

وهي سوء فهم الدين وتقليد الجاهلين بعضهم بعضا فيه، لهذا كان الذي جمع بين

مصالح الدارين. وليس المراد من جعل المنار دينيا إلا بيان ما هو الدين على وجهه

الحق والتفرقة بينه وبين ما ليس من الدين في شيء وكيفية الجمع بين مصالح

الروح والجسد، وكل هذا مما يتقبله جميع المسلمين بالإجمال، وفي التفصيل مزلة

الأقدام، ومضلة الأقوام.

ومن مقدمات الإصلاح إحياء اللغة؛ إذ لا أمة بدون لغة حية ومنها إزالة

حجب الغرور عن حقائق الأمور، ومن هذا القبيل ما ينشر أحيانا من النبذ الأدبية

والتاريخية ومن جوائب الأخبار، التي تتضمن العظة والاعتبار.

هذا هو موضوع المنار نشير إليه على رأس كل سنة، لا ينازع حزبا من

الأحزاب في مشربه ولذلك سالمه أصحاب الجرائد السياسية، من وقف نفسه منهم

على مدح الأمراء والسلاطين ومن وقفها على ذمهم، ومن رضي بنفوذ الحكومات

الأجنبية في البلاد التي يسكنها ومن سخط عليها. وسالمه أيضا أصحاب المجلات

العلمية والدينية وسالمهم، إلا من استهواه الغرور فطعن في أصول الإسلام

الاعتقادية أو الأدبية أو العلمية فرد المنار طعنه، وأخرج ضغنه.

وجملة القول: إن المنار قد جاء بمشرب جديد استعذبه الأقلون، ومجه

الأكثرون، استعذبه من ذاقه فعرفه، ومجه من جهله فما أنصفه، أولئك أسرى

التقليد، ينفرون من كل جديد إلا أن يكون بدعة دينية، ويفرون من كل داع إلا أن

يدعو إلى لذة بهيمية يألمون مما هم فيه، ويتنكبون طريق تلافيه، يطلبون النجاة

من الشقاء ويصرون على أسباب البلاء؛ يهرب مدعي العلم فيهم من المناظرة،

وينبري المعترف بالجهل منهم إلى المماراة والمهاترة، يتبرأ زعيمهم من الدليل

المعقول والمنقول ويحاول أن يقلد في كل ما يقول، حجتهم استبداد الأمراء،

واعتقاد الدهماء، وقد سحل مرير هذا الاعتقاد وانتكث فتل ذلك الاستبداد؛ وتقلص

ظل ذلك الزمان؛ الذي كان يحتكر فيه الدين والإيمان، وخلى بين العقول

والاستقلال، وبين الإرادة والأفعال، فساء صباح المقلدين، وأذن مؤذن بينهم

﴿هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: 111) ، فخذل الجاهلون {أولئك

حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} (المجادلة: 19) .

هذا ما كان في كثير من بلاد المسلمين، وهذا ما سيكون في باقيها بعد حين،

ولحرية تبيح بعض المنكر ولا تمنع شيئا من المعروف أهون من عبودية تنهى

عن المعروف وتأمر بالمنكر، فالعبوية تطفئ نور الفطرة البشرية، والحرية تظهر

مبلغ استعداد القوى الإنسانية.

فيا حسرة على سلطة تهدم بمعاول الاستبداد والاستعباد، ويا ضيعة لحرية

يفسدها سوء الاختيار وضعف الاستعداد، ويا طوبى لمن اغتنم فرص الزمان؛

فعمل في نفسه لنفسه، وعمل في أمته لأمته، {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم

ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} (التوبة: 105) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٦ · الصفحة ١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٦ · ص ١