تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16 محرم - 1320ه

25 إبريل - 1902م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

(الدرس 33)

عصمة الأنبياء عليهم السلام

(المسألة 86) الدليل العقلي على عصمة الأنبياء:

يؤخذ الدليل على عصمة الأنبياء من وجه الحاجة إليهم في الكمال الإنساني،

ومن وظائفهم المنطبقة على وجه الحاجة إليهم. وقد تقدم الكلام في ذلك، ومنه أن

الوظائف خمس وهي نوعان: نوع في بيان الاعتقادات التي ترقي العقل وتعتقه

من رق العبودية لمظاهر الطبيعة التي خلق مستعدا لتسخيرها والتصرف فيها فجنت

عليه الوثنية فسخرته لعبادة كل مظهر منها لا يعرف علته ولا يحيط بحكمته.

ونوع في تهذيب النفس وتزكيتها بالأخلاق الفاضلة والأعمال النافعة. ولا

يرتقي النوع الإنساني إلا بمجموع ما يندرج في هذين النوعين من التكاليف وبارتقائه

يكون خليفة الله تعالى في الأرض، وتلك غاية سعادته في هذه الحياة الدنيا التي

تستتبع سعادته في الحياة الآخرة الباقية التي جعلت هذه الحياة مزرعة لها كما ورد.

وبديهي أن العمدة في بيان النوع الأول صدق الخبر بحيث لا يحوم حوله

الشك والريب. والعمدة في الثاني صدق الخبر كذلك مع حسن الأسوة وصحة القدوة

بالمخبر؛ لأنه تربية وإنما التربية بالقدوة، والتعليم القولي مساعد للتأسي وأثره. ولا

تحصل الثقة القطعية بصدق الخبر إلا إذا كان المخبر معصوما من الكذب والخطأ

في التبليغ. ولا تتم القدوة وتحسن الأسوة إلا إذا كان الإمام المقتدى به بريئا من

النقائص، منتهيا عما ينهى عنه، مؤتمرا بما يأمر به، متخلقا بما يرغب في التخلق

به إذا لا تتم حكمة الله تعالى في إرسال الرسل إلا إذا كانوا بحيث ذكرنا من الصدق

والنزاهة.

والحكمة واجبة لله تعالى فوجب أن يكون الأنبياء المبلغون عنه سبحانه صادقين

معصومين ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ (التحريم: 6) ولا يلزم من هذا إيجاب شيء على الله تعالى فيكون حجة للمعتزلة وإنما هو إيجاب الحكمة له كإيجاب العلم والقدرة.

***

(م 87) الدليل النقلي على عصمتهم:

إن الله تعالى ما أرسل المرسلين إلا ليتبعوا ويقتدى بهم، وقد أمر باتباعهم

كقوله في خاتمهم عليه السلام: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله

وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (الأعراف: 158) فلو كانوا يخالفون ما يجيئون

به من الهدى لكان الله تعالى آمرا بالشيء ناهيا عنه في آن واحد، وهو محال على

الله تعالى، ولو فعلوا الفاحشة لكان الله آمرا بها من حيث أمر باتباعهم أمر تشريع

وأمر بالتأسي بالعظماء أمر تكوين بأن أودع ذلك في فطرة الإنسان. وقد قال تعالى:

﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ (الأعراف: 28) على أن الطاعة هي ما أمر الله

تعالى به فلو فرض أن المرسلين يرتكبون المعاصي لكان معنى ذلك أن الطاعات

هي من المعاصي كما قال السنوسي في الكبرى وذلك تناقض لا يقول به عاقل.

وهذا الاستدلال لا يصح على أصول أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويجب أن

يكون أصلا يرجع إليه جميع الأدلة التي يثبت هو بها فيكون ناقضا لنفسه.

***

(م 88) الشبه على العصمة:

يقولون: ورد في القرآن إثبات الذنوب للأنبياء والمرسلين إجمالا

وتفصيلا.

أما الإجمال فكقوله تعالى ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (الفتح: 2) وقوله: ﴿واستغفر لذنبك﴾ (غافر: 55) وقوله عز وجل:

﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ (النصر: 3) وأما التفصيل فكقوله: {وعصى آدم

ربه فغوى} (طه: 121) وكقصة داود وسليمان عليهما السلام وكقصة إخوة

يوسف، ونحن نجيب عن ذلك بالتفصيل.

***

(م 89) مغفرة الذنوب:

علمنا مما تقدم أن معنى عصمة الأنبياء في النوع الثاني (العملي) هو

نزاهتهم وبعدهم عن ارتكاب الفواحش والمنكرات التي بعثوا لتزكية الناس منها لئلا

يكونوا قدوة سيئة مفسدين للأخلاق والآداب وحجة للسفهاء على انتهاك حرمات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢١