تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأخبار والآراء

(الحج في هذا العام)

أمرت حكومة تونس وحكومة الجزائر الفرنسية بمنع الحج في هذا العام لئلا

يحمل الحجاج من بلاد الحجاز جراثيم الوباء الموهوم إلى بلادهم فتيبأ بهم وأرادت

حكومة مصر أن لا يحج في هذا العام إلا الأغنياء القادرون على الاحتياطات

الصحية؛ إذا نزل البلاء ووقع الوباء واحتيج إلى النفقة الواسعة. فأمرت بإلزام كل

من يريد الحج بدفع خمسين أو سبعين جنيها للحكومة تكون أمانة عندها تنفق عليه

منها ما تنفقه بقدر الحاجة وترد إليه ما يبقى بعد عودته إذا عاد وبقي من المال بقية.

ضمنت الحكومة للحجاج بإزاء ذلك القيام بجمع شؤونهم في السفر. وقد استكثر

الناس هذا القدر من المال واعتقد الأكثرون أن الغرض منه التنفير من الحج والتمهيد

لمنعه ولذلك طلب مجلس الشورى من الحكومة أن تنقص منه فلم تقبل، والناس في

استياء عظيم من جراء ذلك، وقد كتبوا من جهات متعددة يشكون للحكومة بل

لمستشاريها ومديريها من الإنكليز ثقل ذلك المال المفروض، وأكثر الشكوى كانت

لمستشار نظارة الداخلية ولكنها لم تغن شيئا. على أن الوقت لم يفت واللورد كرومر

صاحب النقض والإبرام في السودان.

ولقد كان في هذا العمل فرصة للإنكليز يمكنون بها ميل المصريين عامة إليهم

لو اغتنموها وخففوا من المال المفروض شيئا. ولعل الذي يمنعهم من تلبية الأهالي

وسماع شكاويهم هو لغط أحداث السياسة بالمسألة، ونشر تلك الشكاوي في بعض

الجرائد المتطرفة على ما فيها من الطعن بالحكومة الإسلامية التي فرضت ذلك المال

بالاتفاق. فكأن مستشار الداخلية خجل من أن يطلب من هذه الحكومة الرجوع عن

شيء قررته، وكان هو راضيا به لأن الأمة التجأت إليه وحده دون الأمير ودون

نظار حكومته، بل مع التعريض بذمهم والطعن بدينهم.

ولو أراد المصلحة من أشرنا إليه من أحداث السياسة لما نشر في جريدته كلمة

من شكاوي الأهالي الجارحة لثلاثة أمور:

(أحدها) أن نشرها يثبت أن قلوب الأهالي انحرفت عن الحكومة الخديوية

الإسلامية، ولم يبق لها رجاء تتيممه في مصلحة من مصالح دينها ودنياها إلا

المحتلون.

(ثانيها) أن نشرها يكون صادا للمحتلين عن إغاثة الناس؛ لعلمهم بأن ذلك

يتضمن إهانة الحكومة على لسان من يفتخر دائما بالطعن في الحكومة وفي المحتلين

بسبب وبدون سبب، ويرمي الجميع بسوء القصد. فلا يرضى المحتلون أن يغيثوا

الأهالي ليفتخر ذلك الحدث الصغير بأنه كان الحامل لهم على ذلك بما لجريدته من

قوة التأثير.

(ثالثها) أن نشرها في الجرائد ينتهي بإقرار من نشرها وتسجيله كون

المحتلين هم الغوث الوحيد للمسلمين، والقائمون بمصالحهم الدينية والدنيوية دون

حكومة الأمير الإسلامية، هذا لو أشكوا الأهالي وأجابوا طلبهم، وعند ذلك لا يبقى

للأحداث سبيل إلى الطعن فيهم وهو بضاعتهم التي يعيشون منها.

ولذلك تعجب الناس من نشر تلك الشكاوي المفصحة عن تعلق قلوب مسلمي

مصر بالإنكليز من جريدة الأحداث التي تتجر بذمهم. قالوا: إذا كانت الجريدة لا

ترجو نفع تلك الشكاوي فهي ساعية في هدم سياستها الأولى، وهي لا يمكن أن

تنجح بغيرها، وإن كانت لا ترجو نفعها، وإنما تنشر صور تلك الشكاوي لعلمها

بأن نشرها يغيظ المحتلين، ويحملهم مع الحكومة على الإصرار؛ فهي لا تقصد نفع

المسلمين ولا تسعى في تسهيل الحج عليهم. وأصحاب الرأي يعلمون أن تلك

الجريدة لا يهمها كثر الحجاج أو قلوا، وإنما سبب الصياح والعويل شيء واحد وهو

جذب قلوب الأهالي إلى الجريدة وإيهامهم أنها أشد غيرة عليهم وعلى دينهم من

غيرها، وهذا مقصد يتلاشى أمامه التفكير في نتيجة النشر هل تكون تسجيل مدح

الإنكليز والطعن بحكومة الأمير أو تكون الإصرار على تنفيذ ما أمرت به الحكومة.

والذي لا ريب فيه أن نشر تلك الشكاوي الجارحة كلها كان ضارا وما كان يتصور

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٠٠