تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

ورع أبي بكر رضي الله عنه

عن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكر مملوك يغل عليه فأتاه ليلة فتناول منه

لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة؟ قال:

حملني على ذلك الجوع من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهلية فرقيت

لهم فوعدوني فلما أن كان اليوم مررت فإذا عرس لهم فأعطوني. قال: أف لك

كدت أن تهلكني. فأدخل بيده في حلقه فجعل يتقيأ وجعلت لا تخرج فقيل له: إن

هذا لا يخرج إلا بالماء. فدعا بعس [1] من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها.

فقيل له: يرحمك الله، كل هذا من أجل هذه اللقمة؟ قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي

لأخرجتها؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل جسد نبت من

سحت فالنار أولى به) فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة. رواه

الحسن بن سفيان وأبو نعيم في الحلية والدينوري في المجالسة بهذا السياق.

وروى أحمد في الزهد من طريق ابن سيرين والبيهقي عن زيد بن أرقم ما يؤيد

الواقعة.

وعن أبي بكر حفص بن عمر قال: جاءت عائشة إلى أبي بكر وهو ما يعالج

الميت ونفسه في صدره فتمثلت هذا البيت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فنظر إليها كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين (وفي رواية: ليس

كما قلت يا بنية) ؛ ولكن: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾ (ق: 19) ، إني كنت قد نحلتك حائطا وإن في نفسي منه شيئا فرديه على

الميراث قالت: نعم. فردته، أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل دينارا ولا

درهما ولكن قد أكلنا من جريش طعامهم [2] في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على

ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا

البعير الناضح وجرد هذه القطيفة [3] فإذا مت فابعثي بها إلى عمر وأبرئيني منهن.

ففعلت فلما جاء الرسول عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل على الأرض وجعل

يقول: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده , يا غلام، ارفعهن. فقال عبد الرحمن

بن عوف: سبحان الله تسلب عيال أبي بكر عبدا حبشيا وبعيرا ناضحا وجرد

قطيفة ثمنه خمسة دراهم؟ ! قال: فماذا تأمر؟ قال: تردهن على عياله. قال:

لا والذي بعث محمدا بالحق لا يكون هذا في ولايتي أبدا ولا يخرج أبو بكر منهن

عند الموت وأردهن أنا على عياله. الموت أقرب من ذلك، رواه ابن سعد.

(المنار)

هكذا تكون خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه هي السيرة التي كان

يجب على المسلمين أن يلزموا بها ملوك بني مروان وبني العباس الذين سموا

أنفسهم خلفاء، وكذلك غيرهم من الملوك. والله ما نكل بالإسلام وأوقع المسلمين في

هذا الهوان إلا استبداد أولئك الملوك بالسلطة وجعلهم الرعية وأموالها ملكا لهم

يتوارثونها ويتصرفون فيها بما شاؤوا، حتى إذا ظهر فيهم عادل يحاول وضع

الحق موضعه - كمعاوية الأصغر وعمر بن عبد العزيز والمأمون - ألزموه بقوة

العصبية على أن يجري في طريقهم أو يخلع من الملك. ولقد تعب عمر بن عبد

العزيز فيما قدر عليه من العدل تعبا عظيما.

نعم، إن هذه السنة التي سنها أبو بكر متعبة لا يقدر عليها إلا مثل عمر

ويظهر أنه كان يعتقد أن ما فرض له من الانتفاع من بيت المال (كما ذكرنا في

السنة الماضية) يجب أن يكون مشروطا بمدة عمله للمسلمين، وأنه إذا بقي منه بقية

يجب أن ترد إلى بيت المال ولا يجوز لورثته التمتع بها؛ لأنهم لا يعملون للمسلمين

ما كان يعمله.

وإنا لنتمنى اليوم أن يأخذ أمراؤنا وملوكنا أضعاف كفايتهم، وأن يورث عنهم ما

بقي عن نفقاتهم بشرط أن يكفوا عن تبذير ما في خزائن الأمة من الأموال والتحف

والإفضاء بها إلى أوليائهم بمجرد شهواتهم وأهوائهم، وقد سبق لنا القول في السنة

الرابعة بأن في خزائن الدولة العلية من الذخائر والجواهر ما يكفي بعضه للقيام

بإنشاء الأساطيل البحرية وترقية القوة الحربية، بحيث تقاوم بها أعظم الدول القوية،

وهذه الذخائر كغيرها تحت تصرف شخص السلطان، ولا يكاد يسمح بشيء منها

إلا لقيصري الروس والألمان.

-----------------

<span class="footnote">

(1) العس: بالضم: القدح الكبير.

(2) الجريش: الدقيق الغليظ، معروف والملح لم يطيب.

(3) القطيفة: دثار مخمل أي: له زغب وجرد قطيفة: يريدون به خلق قطيفة، وأصله شيء جرد أي خلق.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٦ · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٦ · ص ٢٣