غرة جمادى الآخر - 1320ه
4 سبتمبر - 1902م
الكاتب: محمد عبده
-----------------
<span class="footnote">
الاضطهاد في النصرانية والإسلام
المقالة الثانية لذلك الأستاذ الحكيم والفيلسوف العليم
ذكرت الجامعة في الجزء الثامن من السنة الثالثة في سياق الكلام على ما
جرى لابن رشد أن للناس آراء في: هل الدين المسيحي أوسع صدرا في احتماله
مجاورة العلم والفلسفة، أو أن الدين الإسلامي هو الأرحم خلقا والأوسع حلما من
الدين المسيحي في قبول أهل النظر في الكون إذا نزلوا بداره، ولاذوا بجواره،
وذكرت أن للقائلين بتسامح الدين المسيحي مع العلم وأهله دون الدين الإسلامي أن
فولتير وديدرو وروسو ورنان قالوا فيما يضاد الدين ما قالوا ولم يصابوا بضرر،
وابن رشد لم يقل شيئا سوى أنه قرر ما قال أرسطو وأوضحه مع تصريحه
بسلامة اعتقاده ومع ذلك أهين وبصق على وجهه.
وللقائلين بسعة حلم الإسلام أن الإسلام لم يحكم بإحراق أحد لمجرد الزيغ في
عقيدته، وكم حكمت المسيحية بذلك!
ثم جعلت أهل الرأي الأول آخر من يتكلم وقالت: (فيرد عليهم الأولون
بقولهم: هل يجب أن يكون التسامح مع القريب فقط، أم مع القريب والغريب معا؟
ثم، ألا تذكرون الحروب والفتن التي قامت بين شعوب المسلمين وحكامهم بسبب
الاعتقادات الدينية فأضعفت أمتهم وفرقت كلمتهم، فهل يجوز أن تسموا محاربة
شخص واحد وإعدامه (محاربة للإنسانية) ولا تسموا كذلك محاربة شعب لشعب
وأمة لأمة) اه.
ثم قالت الجامعة: إنها لا تفصل بين القولين، ولكنها فصلت فيهما فصلين
الأول في قولها: (إنا نرى أن السلطة المدنية في الإسلام مقرونة بالسلطة الدينية
بحكم الشرع؛ لأن الحاكم العام هو حاكم وخليفة معا، وبناء على ذلك فإن التسامح
يكون في هذه الطريقة أصعب منه في الطريقة المسيحية، فإن الديانة المسيحية قد
فصلت بين السلطتين فصلا بديعا مهد للعالم سبيل الحضارة الحقيقية والتمدن
الحقيقي وذلك بكلمة واحدة: (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) .
وبناء على ذلك؛ فإن السلطة المدنية في هذه الطريقة إذا تركت للسلطة الدينية
مجالا للضغط على حرية الأفراد من أجل اعتقاداتهم الخصوصية فضلا عن قتلهم،
وسقي الأرض بدمائهم البريئة، فإنها تجني جناية هائلة على الإنسانية، وعلى ذلك
لا يكون في هذه الطريقة من التسامح أكثر مما في تلك إذا بدا منها نقص، ولو كان
هذا النقص أخذ شقيقتها؛ لأنه لا نقص أعظم من نقص القادر على التمام، والفصل
الثاني في قولها: (إن العلم والفلسفة قد تمكنا إلى الآن من التغلب على الاضطهاد
المسيحي ولذلك نما غرسها في تربة أوربا وأينع وأثمر التمدن الحديث، ولكنهما لم
يتمكنا من التغلب على الاضطهاد الإسلامي، وفي ذلك دليل واقعي على أن النصرانية
كانت أكثر تسامحا) اه
* * *
(الجواب الإجمالي)
وإني أعجل في الجواب بما يلاقي هذين الحكمين إجمالا، أما الأول فإن كان
الإنجيل فصل بين السلطتين بكلمة واحدة، فالقرآن قد أطلق القيد من كل رأي
بكلمتين كبيرتين لا كلمة واحدة، قال في سورة البقرة: {لا إكراه في الدين قد
تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى
لا انفصام لها والله سميع عليم} (البقرة: 256) وقال في سورة الكهف {وقل
الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف: 29) .
وأما الثاني فأسأل الجامعة في جوابه: أين الاضطهاد الواقع على العلماء اليوم
عند المسلمين؟ وأين أولئك العلماء المضطهدون؟ وأريد بالعلماء أولئك الذين
يساوون من ذكرتهم من فولتير وديدرو وروسو وأمثالهم، وكيف ساغ لها أن تقول
ما تقول، وهي في أرض مصر، ومصر بلاد إسلامية وحالها كما ترى؟ فإذا أرادت
شاهدا على حال المسيحية والعلم، فلتمر بنظرها اليوم على أسبانيا، ولتقف برهة
من الزمان ثم لتحكم، يمكنها أن تعد من طلبة العلوم المسلمين مئين في مدارس