لا وثنية في الإسلام
(نبذة من الجزء الثاني من كتاب أشهر مشاهير الإسلام الذي يطبع الآن)
(رأيت ما قاله عمر رضي الله عنه لكعب الأحبار، وهو قول لا نحب أن
يفوتنا البحث فيه، لهذا رأينا أن نفرد له هذا الفصل فنقول [1] : أولع الإنسان
بالإفراط، كما أولع بالتفريط في كل شؤونه الروحية والجسمانية، ولو أنصف
واعتدل ولم يطلق لنفسه العنان ليبلغ مقام الملائكة في أعلى عليين أو يهبط بها إلى
مقر الشرور في أسفل سافلين؛ لكانت السعادة الدائمة به ألزم وطريق النعيم الحيوي
لديه أوسع، ولما احتاج إلى كثير من هذه القوانين وقوامها، وزعماء السيطرة
وجنودهم، والحكام وأعوانهم، والسجون وحراسها، بل ولكان اكتفى بدين واحد قويم
وشرع إلهي مستقيم ولم يشوه وجه الشرائع ولم يدع لتعدد الأديان وإرسال الرسل في آن وآن.
أجل، أولع الإنسان بالشطط حتى في العقائد، فبينا يكون هذا في طرف
التفريط مارقا من كل دين منكرا لكل نحلة، هائما في المادة التي يتناولها حسه، وينكر
ما فوقها عقله، يكون الآخر مسلما لعقيدته، بما لا يبعد طبعه عن طبيعته طالبا بخياله
ما يظن له قدرة فوق قدرته، وسلطة أعلى من سلطته، وأول ما يلاقيه في طلبه يعلق
بقلبه ويظنه منتجع عقله والغاية التي يطلبها في سيره فتولع به نفسه ويقوى فيه أمله
ويختص به عمله فيغلو في عبادته غلو المادي في مادته، حتى يساويه من طرف
الأطراف بالتوجه تارة للأقمار وأخرى للأشجار وآونة للأحجار، ووقتا للأرواح
وآخر للأشباح إلى غير ذلك مما هو داخل في المادة قريب من متناول الحس.
فكأن العقل الإنساني في حال الإيمان والكفر أسير المادة لا يفلت من شرك
الحس ولا يذعن إلى ما فوق المادة ويصعد إلى أفق الكمال إلا هنيهة ريثما يتلقى
برهان ربه بواسطة الأنبياء، ويطمئن إلى التسليم بقوة إلهية تفوق قوى المادة وتعلو
عن العقل وتتحكم على الكائنات تحكم الصانع المختار، ثم لا يلبث أن ينحط عن هذه
المرتبة، فيعود إلى نحيزته الأولى للهبوط إلى هوة النقص والتوجه إلى مظاهر
المادة ولو تدريجيا حتى يلتصق بالحضيض، ويعود إلى الشرك وهو يظنه الإيمان
ويخاله منتهى العبادة، وإن من دين إلا أصيب أهله بهذا المصاب وأشركوا مع الله
الأرواح تارة، وأخرى الأنصاب توصلا إليه على زعمهم بالحس، وارتياحا إلى ما
تحت النظر والعقل، والله سبحانه وتعالى فوق ما يتصورون، ليس من المادة ولا
المادة منه، بل هي مخلوقة له مفتقرة إليه، وليس بينه وبين خلقه سبب منها
يتوصل به إليه بل هو كما قال في كتابه الكريم: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم
لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا
بإذنه} (البقرة: 255) الآية.
ومن الثابت أن العرب كانوا على دين إبراهيم الذي هو كباقي الأديان الإلهية
دين التوحيد بالله والإيمان بأنه تعالى خالق الكون وما فيه، وإنكار ما دون ذلك من
الاعتقاد بشيء من المادة ومن التمسك في العمل بأهداب الشرك، ولكن لم يلبثوا أن
تدرجوا في مدارج المادة وهبطوا إلى حضيض الشرك، وتدرجوا من الاعتقاد
بالأرواح إلى الاعتقاد بالأشخاص ثم إلى الاعتقاد بالأنصاب والأحجار، وغير ذلك
مما هو داخل في المادة واقع تحت الحس.
وهم مع ذلك كانوا يزعمون أنهم مؤمنون لا مشركون، وأنهم بعبادة المادة
يعبدون الله ويتقربون بها إليه كما أخبر عن ذلك القرآن بقوله تعالى: {ما نعبدهم
إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (الزمر: 3) وهذا من الإغراق في الجهل،
والانحطاط في العقيدة والإفساد لأصل التوحيد. ولم يكن هذا الإفساد قاصرا على
العرب فقط بل عم سائر أرباب الأديان، مما لا محل لبسطه الآن.
إذا تمهد هذا علمنا أن الإسلام بما جاء به من آيات التوحيد الخالص من كل
شائبة من شوائب الشرك إنما جاء لاستئصال شأفة الوثنية من نفوس العرب وغيرهم