تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أميل القرن التاسع عشر

الشذرة الثانية عشرة [*]

(لا يسلم وجه الشمس من كلف)

قضية لا محيص من تسليمها فإننا في طور الانتقاد الذي لا ينفلت من تحليله

وتفتيشه شيء فقد تناول الأديان وآداب اللغات والتاريخ والأوضاع القومية فلا تجد

عبادة من العبادات إلا وقد وجه إليها العلم ضروبا من البحث لا قبل لها بمقاومتها

وأصبح ما كان يخله الناس من اللغات والنقوش البرمائية والحروف معميات لا

سبيل إلى الاهتداء إلى معانيها وقد نبذت مغاليقها وألقت بين يدي العلم مقاليدها

وأسلمت إليه أسرارها ولم يغن عن الأغاليط التي شيبها مر الدهور أنها تفلح في

التغرير بالعقل بما لها من القدم فقد عرف سبب حدوثها وكشف الستار عما كانت

ترتعد له فرائص الأقدمين من المجردات الخيالية، فعرف الإنسان نفسه وكله دهش

واستغرب لخوفه وفزعه؛ لأنه قد عرف اليوم كيف نشأت الآلهة [1] ورأى مذاهب

كان لها ما للبديهيات من القوة والرسوخ تلاشت أمام العلم بالنواميس الكونية التي

كان يتوهم أن هذه المذاهب فوقها وأبصر أسرارا مستغلقة كانت تعاصت على العقل

أذعنت إليه الآن فمضى بحكم فيها يكشف أصلها وبيان منشئها.

من الظلم والإجحاف عدم اعتبار هذه الحركة العلمية في تربية الناشئين فكيف

يصح أن لا يدخل المدارس ما وصل إليه العلم من نتائج بحثه إلا بعد قرون من

ظهوره لو دخلها.

***

انتقاد آداب اللغتين اليونانية واللاتينية

أنا لا أريد الآن أن أشتغل من وجوه الانتقاد إلا بما يتعلق بآداب اللغتين

اليونانية واللاتينية، وأقول: قد اعتاد المعلمون أن يفردوا هذه الآداب بالدرس دون

بقية آثار الأقدمين كما لو كانت آداب كل لغة فرعا مستقلا عن تلك الآثار ولا أراهم

يستندون في ذلك إلا إلى وهم عنيت من قبل بدحضه، ولهذا تراني ذكرت (لأميل)

أسماء آلهة عمير وما ورد من صفاتهم في أساطير الهنود، وقصصت عليه أشهر

وقائعهم وسيكونون من معارفه القدماء ولم يبق عليه إلا أن يعرف كيف أنهم كانوا

يواصلون الأسفار ويجوبون الأقطار، وكيف أن الواحد منهم كان يظهر في صور

مختلفة ويبدو في هيئات متباينة وهو أمر لما يجئ وقته.

ذكرت من شعراء الأقدمين عمير، ولهذه المناسبة أود لو أدري ما الذي يعود

على التلامذة من تفهيم المعلمين إياهم أن ديوانيه الموسوم أحدهما بالعلياد (الإليازة)

والثاني بالعديسي هما من ابتكار رجل من الغابرين إذا كان جميع الناس اليوم

يعلمون كيف تولدت القصص الشعرية الحماسية في الأمم القديمة والحديثة.

لا ريب أن في هذه القصص محاسن كبرى وعبرا جليلة غير أني سأتحامى

كل التحامي أن أجعل سيرة أشيل [2] مثلا نموذجا (لأميل) يحتذيه في سيرته فإن

هذا البطل الذي عبث ولها عن مصلحة أمته وقعد عن منازلة أعدائها في حومة

الوغى أبى عليه قومه جارية رقيقة كانت محلا لأطماعه، وكان بهذا سببا في طول

مدة رزايا الحرب وشدائدها، لم يكن حقيقا برضاء الآلهة عنه، وميلهم إليه فهم

باشتغالهم به وإعانتهم إياه على خصمه لشجاعته غير مراعين إغفاله لواجبه قد

جعلوا عاقبة الحرب عبرة سيئة وهي ظفره بهكتور [3] أي ظفر الطيش الحربي

بالوطنية الصحيحة.

لم يقتصر الأقدمون فيما جهلوا من الأمور على نكرهم بعض الأصول التي

هي الآن أساس وجدان الإنسان بل إنهم تركوا لنا ميراثا من الأباطيل والمذاهب

الفاسدة التي تدعو دراسة كتبهم إلى بقائها إن لم يقارنها الاحتراس والحذر فإن سحر

ما يحفظ الناس من آثارهم قد حمى كثيرا من المظالم القومية قرونا عديدة من وثبات

العقل، ولا يزال يذودها عنها، وإن المغرم منا بالمطالعة المفرط في المعيشة بين

كتبه المفرط فيها بين أبناء وقته يرى في أكثر أوقاته قليل التأثر جدا بما شاع في

الناس من العادات السيئة الكثيرة التي يرجع أصلها إلى أخلاق الأقدمين وعوائدهم.

إن الحضارة اليونانية كان لها من وجوه الحسن ما يثير الإعجاب بها ولو أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٣٦