غرة ذو القعدة - 1320ه
30 يناير - 1903م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الإسلام دين العقل
كنا ولا نزال نصرح بأن دين الإسلام هو دين العقل وحجتنا الكتاب والسنة
وكلام الأئمة، ولكننا ابتلينا بمن يشكك المسلمين في دينهم وفي الدعاة إليه بإيهامهم
أن ما نقول ليس من الدين وأنه ضار به؛ ولأن الإسلام يجب أن يكون كسائر
الأديان التقليدية عدوا للعقل وأن بناءه على العقل مؤذن بهدمه كغيره، وأنه لو كان
معقولا لكان علما ولم يكن دينا إلى غير ذلك من التشكيك، وإنما نأخذ ديننا عن الأدلة
العقلية والنقلية من كتاب ربنا لا عن المخالفين المشككين.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إن في السموات والأرض
لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون * واختلاف الليل
والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف
الرياح آيات لقوم يعقلون * تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله
وآياته يؤمنون * ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا
كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم} (الجاثية: 1-8) .
فهذا كتاب الله يقيم الأدلة والبراهين مطالبا بها أهل العقل باليقين في الإيمان؛
واليقين لا يكون إلا بالبرهان، ومعرفة الشيء ببرهانه هو أعلى العلم وأقواه، ولذلك
قال تعالى بعد آيات ذكر فيها أهل الكتاب: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر
فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} (الجاثية: 18) .
وقال بعد آية ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون﴾ (الجاثية: 20)
والبصائر جمع بصيرة وهي الحجة توصل إلى اليقين، ثم قال في الجاحدين
تقليدا {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك
من علم إن هم إلا يظنون} (الجاثية: 24) فنفى عنهم العلم وبين أن الظن لا ينفع
في الدين، لأن المطلوب فيه علم اليقين، كما في سورة أخرى {وما لهم به من علم
إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} (النجم: 28)
تلك آيات من سورة قصيرة تدل على أن الإسلام دين العقل وأنه علم وأنه
يطلب فيه اليقين ولا يكتفى بالظن في الإيمان بأصوله كوحدانية الله تعالى وعلمه
وقدرته، وبعثة الأنبياء ورسالة خاتمهم عليه وعليهم السلام، وقد جاء في القرآن
كلمة (يعقلون) بالياء والتاء نحو خمسين مرة، وفيه ذكر العقل والعقلاء في الخطاب
وإقامة الآيات على الإيمان بغير هذا الحرف كالنهى واللب فلفظ الألباب جاء في بضع
عشرة آية، لهذا كان العلم بالكون طريق الإيمان والإسلام، قال عز وجل: {ألم تر
أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض
وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه
كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} (فاطر: 27-28)
فديننا ولله الحمد علم، وكل علمنا دين لأنه يزيدنا إيمانا ومعرفة بالله سبحانه، وقد
ورد في الحديث (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) ، وأما قول
المشككين إن العلم محصور في المحسوسات فكل ما لا تحس به لا يقال في عرف
الفلاسفة إنك عالم به فهو من المغالطة أو الجهل فإنه لا علم يعتصم باليقين كعلم
الرياضيات وبراهينها معقولة غير محسوسة.
* * *
(تعارض الدليل العقلي مع الدليل النقلي)
ذكرنا في المنار غير مرة أن الذي عليه المسلمون اليوم من أهل السنة وغيرهم
من الفرق المعتد بإسلامها أن الدليل العقلي القطعي إذا جاء في ظاهر الشرع ما
يخالفه فالعمل بالدليل العقلي متعين، ولنا في النقل التأويل أو التفويض وهذه
المسألة مذكورة في كتب العقائد التي تدرس في الأزهر وغيره من المدارس