فرنسا والإسلام
لا تزال دولة فرنسا في حيرة وعمه لا تهتدي معهما إلى طريقة تطمئن إليها
في سياسة مستعمراتها الإسلامية فكتابها من الفلاسفة والسياسيين يواصلون البحث في
الإسلام على مر الأيام والأعوام لأجل إشراع هذه الطريقة وما هم بمشرعيها ولما
تطمئن نفوسهم إلى شيء كاطمئنان نفس إنكلترا في سياسة مستعمراتها الإسلامية
وغير الإسلامية. ولقد ظهرت نتيجة حسن سياسة إنكلترا في ارتباكها بحرب
الترانسفال فلقد كانت عاجزة عن تأديب مملكة واحدة من ممالكها الاستعمارية
الواسعة إذا هي تألبت عليها وثارت تريد الخروج من دائرة سلطتها. والله يعلم ما
يكون من أمر مستعمرات فرنسا معها إذا وقعت في مثل ذلك الارتباك وانتهت إلى
مثل ذلك الخطر الذي كانت فيه إنكلترا أيام كانت الحرب في شبابها.
سلكت فرنسا مع المسلمين مسلك العنف والضغط حتى حالت بين المسلمين
الذين تحت سيادتها وبين العلم والتعليم وزعمت أن فرقا بينها وبين إنكلترا فإنها تحكم
شعوبا لا تزال الشهامة الإسلامية والشجاعة العربية متمكنة في نفوسها، وأن إنكلترا
تسوس قوما فسد بأسهم وهجرتهم الشجاعة والشهامة بما توالى عليهم من ظلم
حكامهم كالهنديين والمصريين الذين لا تخشى بادرتهم، ولا تحذر غائلتهم، وجهلت
أقرب حوادث التاريخ في مصر وهو خروج المصريين على حكامهم الذين يدينون
بدينهم وينطقون بلغتهم عندما أمكنتهم الغرة من الخروج عليهم حتى كان العلماء
وهم أبعد الناس عن السياسة من خطباء الثورة العرابية ودعاتها بعدما كانوا يقولون
بوجوب طاعة هؤلاء الحاكمين والخضوع لهم.
لا أنسى كلمة سمعتها من كبير العلماء في بلد من سوريا قالها في محفل كبير
ذكرت فيه الثروة العرابية فقال ذلك الشيخ رحمه الله: (كلنا عرابيون) ودعا لعرابي
وحزبه بالنصر، وإذا وجد في العلماء رجل واحد بصير بالسياسة كان يحذر العرابيين
وينذرهم سوء عاقبة الثورة كالشيخ محمد عبده فذلك لا ينافي أن الجماهير كانوا
راضين عنها وداعين إليها.
أتجهل فرنسا سياسة الظلم والقوة التي نفخت روح الثورة في المصريين
الجبناء في نظرها على حكامهم المسلمين تخشى عاقبتها من الجزائريين والتونسيين
وهم من أهل النجدة والبأس والشجاعة والشهامة؟ أتجهل السر في سكون هؤلاء
الذين عهدهم بالثورة غير بعيد عند ظهور انكسار إنكلترا في الحرب المرة بعد المرة؟
السر ظاهر غير مكتوم، وهو أنهم في رخاء من العيش يرفلون في ظلال الحرية
التامة ونعيمها. نعم إنهم يتمنون الاستقلال التام؛ لأنه هو كمال الحياة الاجتماعية
ومن نجا من الاستعباد والاستذلال، يشتهي كمال الاستقلال، ولكن الناس لا
ينبعثون إلى الثورة إلا بالظلم فإن الانفجار نتيجة الضغط.
إذا كانت إنكلترا لا تساعد استعداد الشعوب على الترقي كما هو شأنها في
زنجبار فإنها قلما تعارضه؛ لأنها لا تحارب الطبيعة فقد كان مسلمو الهند في جهل
وخمول فتركتهم وشأنهم فظهر فيهم مرشدون اشتغلوا بتربيتهم وتعليمهم فصادفوا
من الحكومة الإنكليزية ارتياحا بل تنشيطا ومساعدة وأعطتهم الحرية التامة في
إنشاء المدارس والجرائد وعقد الجمعيات. والبريد عندهم حر فلم نسمع أن جريدة
منعت عن الهند وإن مكتوبا ضاع أو رسالة اختزلت أو كتابا أرسل فلم يصل، فهل
تعامل فرنسا أهل الجزائر بمثل هذه المعاملة أو بما يقرب منها؟ .
لقد كان لفرنسا في سيرة الإنكليز في الاستعمال ما يغنيها عن كثرة البحث
والتأليف والتصنيف في حال المسلمين، وكيف ينبغي أن يعاملوا ويغنيها عن تأليف
اللجنة التي ألفتها من عهد قريب لتمحيص البحث في هذه المسألة.
يحكم كتاب فرنسا وساستهم على المسلمين من غير أن يستشيروهم أو يعرفوا
ما يكتبه الأحرار العارفون بالدين وأهله عنهم، ولكن بعض حكامهم يستكتبون بعض
المصانعين لهم ما أرادوا ويغشون أنفسهم وقومهم بما يوهمونهم أن هذا هو رأي