تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استبدادية مقدسة، وهو الذي دع أمته إلى العلوم والفنون دعا، ولا نقول إنه دعاها

دعاء، ولقد كانت التقاليد الدينية مساعدة للسلطة الدينية في عمران اليابان الحاضر

كما يعلم من المقالات التي نشرت في المقتطف الأغر معربة عن أصل

إنكليزي لبعض كبار الكتاب السياسيين، ويذكر العارفون بالتاريخ أن أول عاهل

(إمبراطور) اشتغل بالإصلاح في أوربا هو (شارلمان) كان مندفعا بدافع

معنوي مشوب بالاعتقاد الديني، ولولا الإصلاح الديني الذي قام به زعماء

البروستنت لحبط عمله وكان هباء منثورا.

والقول الفصل في الإصلاح الإسلامي هو أن الواجب على العقلاء الذين

يتألمون من ضعف الأمة وهوانها أن يسعوا في إصلاح العقول والنفوس بتعليم

الصغار وتربيتهم بالمدرسة، ووعظ الكبار وتنبيههم بالخطابة والكتابة ليكثر بذلك

حزبهم ولا بد لهم في سلوك هذه السبيل من مسالمة القوة، سواء كانت أهلية أو

أجنبية.

فعلم من هذا أن أول واجب على من يشعر بالحاجة إلى الإصلاح في بلد من

البلاد الإسلامية أن يشتغل بالدعوة إلى ما يعتقده في ذلك؛ ليكون له حزبا والدعوة

خطابة وكتابة؛ فإذا صار له حزب فالواجب عليه وعليهم السعي في التربية الملية

والتعليم الذي يعد الناشئين لأعمال العمران والاستعانة على ذلك بالأساتذة المهرة

الذين ليس بيننا وبينهم مطامع سياسية، وهذا يختلف باختلاف البلاد الإسلامية،

وأتمها استعدادا الآن بلاد الهند وبلاد مصر وقد بدأ مسلمو الهند يسعون في التعليم

الأهلي، وشعروا بأنه لا يكون تاما نافعا إلا بإنشاء المدارس الكلية، فاقترح مؤتمر

التربية الإسلامي في هذا العام جمع ألف ألف روبية لإنشاء مدرسة كلية، والمرجو

أن يتم لهم ذلك في وقت قريب، وأن تكون التربية في هذه المدرسة ملية إسلامية،

كما وافق على ذلك كبراء الإنكليز هناك، ولا بد لمسلمي مصر أن يتلوا تلو مسلمي

الهند في ذلك عن قريب إن شاء الله تعالى، وسيكون للخطب والمقالات تأثير عظيم

في جمع المال اللازم لذلك، فإن الجرائد كالحداة ولا حداء إلا أن يكون مسير كما، قلنا

في العدد الثاني من منار السنة الأولى ولا يرجى من الذين اتخذوا من دون الله

أولياء، وربطوا قلوبهم بقبور الأموات وقيدوا عقولهم بخرافات الأحياء، أن

يساعدوا على إنشاء مدارس للعلوم الكونية، وهم يشعرون بأنها القاضية على

تقاليدهم الوهمية.

هذه هي الطريقة المثلى للإصلاح ولا يجد المصلحون من الأمة غيرها، أما

الملوك والأمراء فإن لهم إذا أرادوا الإصلاح عملا آخر وهو أن يبدؤوا بالقوة

العسكرية؛ فيعززوها ما استطاعوا لتكون الدولة آمنة من اعتداء الأعداء الذين

يشغلونها عن الإصلاح الداخلي متى آنسوا منها الضعف ثم يوجهون الأمة إلى تعميم

التربية والتعليم، وتنمية الثروة بالزراعة، والتجارة، والصناعة، ويقيمون حكومة

الشورى، ويجتهدون في توثيق الصلات بينهم وبين أمثالهم من الأمراء والسلاطين،

ولكل حكومة إسلامية ضرب من السير في الإصلاح يختص بها، ولا تبلغ الغاية

بدونه. وقد أخطأ سلطان مراكش ما يليق بحاله من السير في طريق الإصلاح

فزلت قدمه، وكان الواجب عليه قبل كل شيء إصلاح الجندية - كما سبق لنا القول

في غير هذا الجزء - ليأمن العدوان الداخلي والخارجي، ثم يشرع في تعليم الأمة

وتربيتها مستعينا في أول الأمر بالمسلمين، كالمصريين الموافقين لأهل بلاده في

اللغة، ثم بالأجانب الذين لا طمع لهم في بلاده عندما تستعد بلاده لذلك فلا تأنف

منه.

على أن أملنا في جميع حكام المسلمين ضعيف، بل نحن أقرب إلى اليأس

منهم منا إلى الرجاء فيهم. وهكذا شأن الملوك الذين ألفوا الاستبداد، وما كان عمل

عاهل اليابان؛ إلا فلتة من فلتات الزمان، والظاهر لنا أن كل ما هو مخبوء في

الغيب من الخير لهذه الأمة؛ فإنما يكون بسعي بعض العقلاء من أفرادها دون

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٧٢